ما وراء التشكّك: علامات استفهام حول سياسات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي في التعليم في أفريقيا

خلاصة الدراسة
تعالج هذه الدراسة إشكالية متنامية مفادها أن الاهتمام العالمي بسياسات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي في التعليم (AIED) قد تعاظم منذ ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT أواخر عام 2022 بوصفها حلولًا للتحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، غير أن السياسات الأفريقية في هذا المجال تواجه تشككًا مردّه تحديات تنموية مستمرة تتمثل في فجوات البنية التحتية الرقمية، وضعف تمويل النظم التعليمية، ومحدودية الجاهزية المؤسسية لتبنّي الذكاء الاصطناعي. وتشير الدراسة إلى أن ثلث الأفارقة فقط كان لديهم وصول إلى الإنترنت بحلول عام 2023، وأن عددًا محدودًا من الدول الأفريقية طوّر أطرًا تنظيمية للذكاء الاصطناعي بحلول 2024، مما يجعل التشكك مفهومًا ومثمرًا تحليليًا في آنٍ، إذ يستدعي تدقيقًا صارمًا في تصميم السياسات حين تكون شروط التنفيذ مقيَّدة.
ينطلق الباحثون من موقف مفاده أن التشكك والوعد يمكن أن يتعايشا لا أن يتناقضا، وأن التشكك يغدو عدسة تحليلية منتجة حين يقود إلى فحص تجريبي بدلًا من الرفض القاطع. ويلاحظون أن تطوير سياسات الذكاء الاصطناعي تسارع عبر القارة منذ مطلع 2023، وأنه بحلول منتصف إلى أواخر 2024 كانت نحو 8 إلى 12 دولة أفريقية قد أصدرت سياسات وطنية للذكاء الاصطناعي أو للذكاء الاصطناعي في التعليم، معظمها في مراحل التنفيذ الأولى، بينما أرست 31 دولة أخرى أطرًا تنظيمية. ويضع هذا الواقع أفريقيا عند نقطة تحول حرجة تستوجب تحليلًا منهجيًا قائمًا على الأدلة قبل أن تترسّخ الالتزامات مؤسسيًا، مع الإشارة إلى الفجوة الرقمية بين الشمال العالمي والجنوب العالمي التي وثّقها المنتدى الاقتصادي العالمي.
تحدّد الدراسة ثلاث فجوات مترابطة لكنها متمايزة تحليليًا: أولاها أن الأبحاث القائمة لا تقيّم ما إذا كانت هذه السياسات تحقق اتساقًا داخليًا بين أهدافها المعلنة وآلياتها التنظيمية وأحكام إنفاذها؛ وثانيتها أنها لم تفحص المتطلبات التنفيذية المحدّدة مثل مواصفات الميزانية والجداول الزمنية المرحلية والجهات المؤسسية المسؤولة وهياكل تنسيق أصحاب المصلحة؛ وثالثتها أنها نادرًا ما تفحص ما إذا كانت السياسات الأفريقية تتضمن أحكامًا صريحة للتصدي لإخفاقات الحوكمة الموثّقة كتهميش أصحاب المصلحة والتجزؤ التنظيمي في السياق الأفريقي المتميز. ولمعالجة ذلك، تطرح الدراسة سؤالها المحوري عمّا إذا كانت هذه السياسات تعمل بوصفها أدوات حوكمة تشغيلية أم تظل وثائق طموحة.
اعتمدت الدراسة تحليل الوثائق النوعي بوصفه منهجية توفّر عمقًا تأويليًا يكشف الأنماط والافتراضات والمعاني الضمنية في البيانات النصية. وبُرّر اختيار هذا المنهج على البدائل مثل المقابلات لسببين: أولهما أن وثائق السياسات تلتقط المواقف الرسمية للحكومات والهيئات التنظيمية دون تحيّز الرغبة الاجتماعية، وثانيهما أنها تتيح وصولًا غير وسيط إلى النصوص الرسمية عبر عشر دول بما يتعذّر تحقيقه عبر المقابلات على هذا النطاق. واعتُمد الاختيار القصدي (purposive) بدلًا من العشوائي نظرًا لمحدودية عدد الدول ذات السياسات المتاحة علنًا، وفق معايير تضمين واضحة: سياسات رسمية تتناول الذكاء الاصطناعي أو الذكاء الاصطناعي في التعليم، منشورة بالإنجليزية، ومتاحة للجمهور.
مرّ جمع البيانات بثلاث مراحل بين 24 و27 شباط/فبراير 2025: بدأت بمسح مصادر ثانوية عبر قواعد بيانات كـ Google Scholar باستخدام كلمات مفتاحية، ثم مراجعة يدوية أكّدت وجود 19 دولة ذات سياسات موثّقة، فتحقق إضافي أفضى إلى أن 10 دول فقط لديها نصوص سياسات رسمية متاحة علنًا استوفت معايير التضمين. وشملت العينة النهائية عشر دول تغطي أربع مناطق: غرب أفريقيا (بنين وغانا ونيجيريا)، وشرق أفريقيا (كينيا ورواندا وتنزانيا)، وشمال أفريقيا (مصر)، وجنوب أفريقيا (موريشيوس وجنوب أفريقيا وزامبيا)، مع تنوّع في نضج السياسات يمتد من سياسة كينيا لعام 2025 إلى سياسات مصر السابقة لعام 2020، وتنوّع اجتماعي-اقتصادي بين جنوب أفريقيا متوسطة الدخل وزامبيا منخفضة الدخل.
استُخدم إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD 2017) لتنفيذ سياسات التعليم بوصفه أداة تحليلية، مع الاحتفاظ بثلاثة من أبعاده الأربعة واستبعاد البُعد الرابع (استراتيجية التنفيذ المتماسكة) بما يتناسب مع نطاق التحليل الوثائقي. والأبعاد الثلاثة هي: التصميم الذكي للسياسة (المبرر ووضوح الأهداف والجدوى)، ومشاركة أصحاب المصلحة (تحديد الفاعلين وديناميات علاقاتهم)، والسياق المواتي (الآليات المؤسسية والتكاملات السياساتية). واعتُمد تحليل موضوعي تكراري مزج بين الترميز الاستنباطي المستمد من الإطار والترميز الاستقرائي، وطُوّرت أدلة تقييم (rubrics) بمستويات (قوي/متوسط جزئي/مشروط). وقام ثلاثة باحثين بترميز الوثائق العشر جميعها، فيما رمّزها باحث رابع لتقدير موثوقية التقييم بين المُرمِّزين، وبلغ الاتفاق بالنسبة المئوية البسيطة 85.7% عبر 70 قرار ترميز، متجاوزًا العتبة المقبولة عادةً وهي 80%.
كشفت النتائج المتعلقة بالتصميم الذكي أن جميع الدول تفصح عن مبرر لسياساتها، لكن الأساس الاستدلالي يتفاوت كثيرًا؛ فرواندا وغانا فقط وثّقتا باستمرار بيانات محددة تدعم الادعاءات حول فجوات المهارات ونقص البنية التحتية ومخاوف الإنصاف، بينما قدّمت جنوب أفريقيا أدلة صريحة حول الإنصاف والموقع الاقتصادي واعتمدت أدلة ضمنية في المواضيع الأخرى. وبرزت خمسة مبرّرات متكررة: نقص الكوادر المؤهلة في الذكاء الاصطناعي، ونواقص البنية التحتية التقنية والمؤسسية، ومخاوف الإنصاف والفجوات الرقمية، ونواقص الحوكمة التنظيمية والأخلاقية، والتموضع الاقتصادي والتنافسي. وفي توجّه الأهداف، قدّمت بنين وغانا وكينيا ورواندا ونيجيريا بيانات رؤية محددة بجداول زمنية صريحة (مثل استهداف بنين لعام 2027 وأفق غانا العشري حتى 2033 وخطة رواندا الخمسية بجداول أنشطة سنوية)، بينما ظلت رؤية جنوب أفريقيا طموحة دون جداول أو أهداف قابلة للقياس.
أما تقييم الجدوى فأظهر أن معظم السياسات تفتقر إلى تخصيصات ميزانية صريحة أو تكليفات مؤسسية أو استراتيجيات تخفيف للحواجز، إذ برزت رواندا بأطر ميزانية وتكليفات مؤسسية لكل نشاط (كوزارات ووكالات محددة) وشراكات دولية وخاصة، فيما اعتمدت نيجيريا على تمويل عام-خاص مع الإقرار بـ”نقص التمويل” بوصفه خطرًا مرتفع الاحتمال دون استراتيجيات تخفيف موثّقة. وعلى صعيد مشاركة أصحاب المصلحة والسياق، تراوحت العلاقات بين نماذج تقودها الدولة وأخرى تعاونية، وبين آليات مؤسسية قابلة للتنفيذ وأخرى تصريحية. ورغم وضوح التكاملات مع أجندات التنمية الوطنية والسياسات المؤسسية، فإن التناقضات التنظيمية استمرت، كما في التوترات بين استراتيجية كينيا للذكاء الاصطناعي ومشروع قانون هيئة تقنية المعلومات لعام 2024 التي صُنّفت في النهاية بوصفها “محاذاة جزئية”.
خلص الباحثون إلى أن السياسات الأفريقية سليمة مفاهيميًا في مجملها، لكن متطلبات التنفيذ كثيرًا ما تكون غير محدّدة بدقة، خصوصًا فيما يتعلق بالميزانيات الصريحة والجداول الزمنية للتنفيذ، مما يبرز الفجوة بين طموح هذه السياسات وقابليتها العملية للتطبيق. وتقدّم الدراسة إسهامًا رياديًا بوصفها أول تحليل عابر للأقاليم لسياسات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي في التعليم في أفريقيا يوظّف تكييفًا منهجيًا لإطار OECD، موفّرًا أدلة في اللحظة الحرجة قبل ترسّخ الالتزامات مؤسسيًا. وتؤكد أن توجيه التشكك نحو تقييم قائم على الأدلة يتيح لصانعي السياسات والمؤسسات التعليمية وشركاء التنمية قاعدةً معرفية للتنقيح المستهدف للسياسات لا لإعادة تصميمها بالكامل، مع الإقرار بقيود المنهج مثل اقتصار العينة على الوثائق الإنجليزية واستبعاد الدول الفرانكوفونية واللوسوفونية، وكونها لقطة زمنية قابلة للتقادم، وعدم اعتماد مقاييس محافظة كمعامل كابا.
وتضع الدراسة سياساتها الوطنية ضمن مشهد أوسع من الأطر القارية والدولية للحوكمة. فعلى المستوى القاري تتراصف المبادرات الأفريقية مع مبادئ الشمول والابتكار وبناء القدرات، كما تجسّدها الاستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي للاتحاد الأفريقي ومخططات “Smart Africa”، بينما تبرز على المستوى الوطني سياسات نموذجية مثل استراتيجية نيجيريا للذكاء الاصطناعي لعام 2024 وإطار “رؤية 2050” في رواندا اللذين يؤكدان الشفافية واستراتيجيات التخفيف في معالجة قضايا كالمشتريات وحوكمة البيانات وتنمية القوى العاملة. وتوضح الدراسة أن اقتصار العينة على عشر دول لم يكن اعتباطيًا، بل نتج عن استبعاد دول كإثيوبيا وأوغندا وزيمبابوي وليسوتو لعدم إتاحة وثائق سياساتها علنًا، ودول كالمغرب وتونس والسنغال وسيراليون والكاميرون لعدم توافر وثائقها بالإنجليزية، وهو ما يمثّل قيدًا يستبعد الإرث المؤسسي الاستعماري المتمايز للدول الفرانكوفونية واللوسوفونية الذي قد يشكّل الحوكمة على نحو مختلف. كما توثّق أمثلة أدلة التقييم أثر المنهجية، إذ صُنّفت سياسة غانا “قوية” على مبرّرها لأن معظم مواضيعها بُرّرت بأدلة سياساتية مباشرة، بينما نالت رواندا تصنيف “قوي” في توجّه الأهداف لخطتها الخمسية المرحلية بجداول أنشطة سنوية، وصُنّفت نيجيريا “مشروطة” في الجدوى لاعتماد تمويلها على شراكات عامة-خاصة دون استراتيجيات تخفيف موثّقة، مما يعزز شفافية قرارات الترميز وقابليتها للتكرار.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100370، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100370.