ما وراء القلم البشري: دور الذكاء الاصطناعي في الإبداع الأدبي

خلاصة الدراسة
تتناول هذه الدراسة الدور المتعدد الأوجه للذكاء الاصطناعي في الإبداع الأدبي، منطلقةً من ملاحظة أن هذه التقنية باتت تشكّل مشهد الكتابة الأدبية على نحوٍ متزايد، فتتفاعل مع الممارسات الأدبية الإنسانية التقليدية وتوسّعها بل تتحدّاها أحيانًا. ويطرح الباحثون، وعلى رأسهم الصادق حسين فضل الله علي وزملاؤه من الكلية التطبيقية بجامعة الملك خالد في السعودية وجامعتي أبوظبي والباحة، سؤالًا محوريًا حول تأثير الذكاء الاصطناعي في مفاهيم التأليف والإبداع وإنتاج النصوص الأدبية: هل هو مجرد أداة مساعدة أم مشارك فاعل في العملية الإبداعية؟ ويتمثل هدف البحث المعلن في تطوير إطار قائم على الذكاء الاصطناعي للإبداع الأدبي يضطلع فيه الذكاء الآلي بدور المؤلف المشارك (co-author) لتعزيز الابتكار السردي والإبداع والاتساق الأسلوبي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على النزاهة والمسؤولية الأخلاقية وأصالة التعبير الفني الإنساني.
يوظّف البحث منهجية مختلطة (mixed-methods) تجمع بين تجارب الكتابة التعاونية بين الإنسان والآلة، والتقييمات الأسلوبية والمعرفية والسلوكية، وتحليل التبعات الأخلاقية والثقافية. وتُبنى الدراسة على إطار مفاهيمي يرى أن الذكاء الاصطناعي أتاح إمكانات لسرود توليدية وتفاعلية وغير خطية تتحدى أعراف مشاركة القارئ والحبكة والزمنية، بما ينسجم مع حركة أوسع في نظرية السرد للاعتراف بأنماط سردية دينامية ومشتركة البناء وما بعد إنسانية. وتنقسم الدراسة إلى خمسة أقسام: مقدمة ترصد بروز الذكاء الاصطناعي قوةً محوّلة في الإبداع الأدبي، ومنهجية، ونتائج تُظهر كيف يعزّز الذكاء الاصطناعي التنوع الإبداعي والابتكار السردي وانخراط المؤلف، ومناقشة تتناول الذكاء الاصطناعي بوصفه مشاركًا في الخلق مع قضايا الأصالة والمصداقية والتآزر بين الإنسان والآلة، وخاتمة تؤكد الدور المتطور للذكاء الاصطناعي في توسيع التعبير الأدبي مع صون المخيلة الإنسانية.
ومن الموضوعات المحورية التي يعالجها البحث مفهوم التعاون الإبداعي بين المؤلف البشري والآلة، حيث تُبيّن الدراسة أن أدوات النص التنبؤي حتى في مستوى الكلمة الواحدة يقرأها الكتّاب بوصفها اقتراحات ذات دلالة توجّه تحوّلات الكتابة والنبرة والمفردات، وتولّد “تدفقًا معرفيًا” يتيح استكشاف مسارات لغوية ومفاهيمية بديلة لم يكن الكاتب ليطرقها. كما يستعرض البحث كيف تساعد برامج اللغة الكبيرة المؤلفين على تجاوز “عائق الكاتب” وتوليد الأفكار والحبكات والحوارات وتجريب أشكال سردية غير تقليدية. ويقدّم الباحثون جدولًا بخمس عشرة أداة كتابة مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل Grammarly و Jasper و Quillbot و Sudowrite و Copy.ai، موضّحين وظائفها الأساسية في إنتاج المقالات والتدقيق النحوي وتحسين محركات البحث.
ويعرض البحث نتائج تجريبية كمية دقيقة عبر سلسلة من الجداول المقارنة. فقد كشف التحليل أن توليد المحتوى بالذكاء الاصطناعي يهيمن على كتابة المقالات بنسبة 85.1% وعلى كتابة النصوص الإعلانية بنسبة 47.8%، يليهما البحث عن الكلمات المفتاحية ومنشورات وسائل التواصل وتوليد الصور. غير أن النصوص التي يؤلفها البشر تحتفظ بكثافة أفكار أعلى (0.5) مقارنةً بنظيرتها المولّدة آليًا (0.4)، بينما تُظهر النصوص الآلية بنية مفاهيمية أكثر تعقيدًا بأربعة مستويات هرمية مقابل ثلاثة في النص البشري. ويورد البحث كذلك تحليلًا لقابلية القراءة يبيّن أن النصوص البشرية أيسر قراءةً وأعلى انسيابًا سرديًا، في حين تميل النصوص الآلية إلى الدقة التقنية والتعقيد مع كلمات أصعب وجُمَل أقل في المبني للمجهول. ويقارن البحث العمق النحوي (حيث تنتج نماذج مثل ChatGPT جُملًا أعمق نحويًا) مقابل المسافة الدلالية (حيث يتفوق البشر في الثراء المعجمي والمفاهيمي).
ويخصص الباحثون قسمًا للتوزيع العاطفي في النصوص، مستندين إلى بيانات تُظهر أن النصوص البشرية تنطوي على مدى انفعالي أوسع ونسبة أكبر من المشاعر السلبية كالغضب والاشمئزاز والخوف، بينما تميل النماذج اللغوية الكبيرة إلى نبرة محايدة تتجاوز فيها نسبة “الحياد” 53%. ويستنتجون أن الكتّاب البشر ما زالوا يُظهرون عمقًا عاطفيًا وعفويةً أكبر، في حين تتسم مخرجات الآلة بالانضباط الأسلوبي والتحفّظ. كما يعالج البحث الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في مهن الكتابة، مبرزًا ازدواجية أثره: إزاحة محتملة لوظائف روتينية (إذ يبلغ خطر تعطّل مهنة كتّاب المحتوى 81.6% بحسب أحد الجداول) مقابل خلق أدوار جديدة تفضّل الكتّاب المهرة في التعاون مع الذكاء الاصطناعي وتحرير مخرجاته وتوفير الإشراف البشري الضروري.
ويولي البحث عنايةً خاصة للأبعاد الأخلاقية والفنية والثقافية، فيناقش محدودية الأثر العملي لإرشادات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الراهنة والحاجة إلى تحويل المبادئ المجردة كالعدالة والشفافية والتمحور حول الإنسان إلى ممارسات تقنية ملموسة، والانتقال نحو “أخلاقيات مصغّرة” (micro ethics) تنخرط مباشرةً في الأبعاد التقنية. كما يثير قضايا الملكية الفكرية وتحيّزات النماذج وتدريبها على أعمال فنانين دون موافقتهم، وخطر التزييف العميق والمعلومات المضللة، مؤكدًا الطبيعة المزدوجة للذكاء الاصطناعي بوصفه مُمكّنًا للإبداع ومصدرًا للقلق الأخلاقي في آنٍ. ويتناول البحث كذلك مفهوم “محو الأمية بالذكاء الاصطناعي” ودمجه في المنظومة الأدبية، ودوره في ابتكارات النشر عبر تحليل اتجاهات السوق وتحسين المحتوى.
ويُسند البحث مقارناته بأرقام تفصيلية مستقاة من جداوله؛ ففي تحليل قابلية القراءة عبر عشرة مقاييس راسخة بلغ مؤشر سهولة القراءة (Flesch Reading Ease) للنصوص البشرية 55.352 مقابل 28.444 للنصوص الآلية، وارتفع مستوى الصف الدراسي المكافئ (Flesch-Kincaid) من 10.366 للبشرية إلى 13.795 للآلية، وزاد متوسط زمن القراءة المقدَّر من 22.462 ثانية للبشرية إلى 26.764 للآلية، وبلغ عدد الكلمات الصعبة 95.8 في النص البشري مقابل 146 في الآلي، في حين انخفضت نسبة الجُمل المبنية للمجهول من 33.593% في البشرية إلى 11.055% في الآلية، بما يؤكد ميل الآلة إلى الدقة التقنية على حساب يُسر القراءة. وفي العمق النحوي بلغ متوسط عمق ChatGPT نحو 7.2 مقابل نحو 6.9 للبشر و7.0 لكلٍّ من Cohere و Davinci و6.8 لـ Bloomz، بينما أظهرت المسافة الدلالية تفوّق التنوع البشري إذ سجّلت نحو 0.31 للبشر مقابل 0.38 لـ ChatGPT و0.42 لـ Cohere و0.30 لـ Bloomz، وهو ما يفسّره الباحثون بأن الآلة تنتج جُملًا أعمق نحويًا لكنها أفقر تنوعًا معجميًا ومفاهيميًا من الكتابة البشرية.
أما في التوزيع العاطفي عبر المشاعر الأساسية السبعة فقد بلغت نسبة «الحياد» لدى الكتّاب البشر 52.16% مقابل تجاوزها 53% في جميع النماذج اللغوية الكبيرة (وصولًا إلى 56.55% في أحد النماذج)، فيما احتفظ البشر بنسب أعلى في الغضب (8.04) والاشمئزاز (9.35) والخوف (10.77)، ما يعزّز استنتاج البحث بأن الكتابة البشرية أغنى انفعالًا وأكثر عفوية بينما تتّسم مخرجات الآلة بنبرة محايدة ومنضبطة. ويعزّز الباحثون هذه المقارنات بشواهد من الأدبيات، منها تجربة كوبيس وموسينك التي بيّنت أن الناس يعجزون عن التمييز بين الشعر المولّد آليًا والشعر البشري، ودراسة زانوتّو وأرويهون حول «الإنسان في الحلقة» (human-in-the-loop) التي تُظهر أن تدخّل البشر في انتقاء المخرجات يقلّل النفور من الخوارزمية ويعزّز جودة المحتوى ومصداقيته، وملاحظة جورجيو أن انتشار أدوات مثل ChatGPT يحوّل العمل المعرفي من إنتاج النصوص إلى قراءتها نقديًا وتحريرها ومراجعتها. كما يستعرض البحث نظام التقييم الآلي للكتابة (AWE) في تطبيق MI Write الذي درسه ويلسون وزملاؤه، حيث جاءت مواقف المعلمين والطلاب تجاهه إيجابية في مجملها. ويوزّع الباحثون نسب استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد المحتوى بتفصيل أوسع فيبلغ البحث عن الكلمات المفتاحية 37.5% ومنشورات التواصل 34.7% وتوليد الصور 30.6% والتسويق عبر البريد 25.3%، ويوردون قائمة أدواتهم الخمس عشرة التي تضم إلى جانب Grammarly و Jasper أدواتٍ مثل ProWritingAid و Hemingway Editor و Writesonic و Rytr و Wordtune و Frase.io و Article Forge و Peppertype.ai و INK موزّعةً بحسب وظائفها في إنتاج المقالات والتدقيق النحوي وتحسين محركات البحث.
وتخلص الدراسة إلى أن النصوص المولّدة آليًا قادرة على إنتاج نص متماسك ومنظّم أسلوبيًا، لكن النصوص البشرية تنفرد بمستوى إضافي من العمق وغنى العاطفة وانسياب السرد. ويؤكد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة بل مشارك فاعل قادر على إثراء الممارسة الإبداعية، غير أن أي تطبيق له ينبغي أن يتضمن مشغّلًا بشريًا يضمن منتجًا أدبيًا أخلاقيًا وواعيًا ثقافيًا وملائمًا سياقيًا. وتنتصر الخاتمة لفكرة “ما وراء القلم البشري” التي ترى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثّل بديلًا للإبداع الإنساني بل امتدادًا يوسّع الأشكال والموضوعات وخطوط الحبكة الممكنة، وأن انخراط الحدس والتفكير النقدي البشري ضمن القدرة التوليدية للآلة يحوّل الممارسة الأدبية إلى عملية خلق مشترك (co-creation). وتكمن الأهمية العلمية للبحث في إسهامه ضمن حقل الإنسانيات الرقمية عبر تقديم أدلة كمية ونوعية متكاملة حول التمايزات الأسلوبية والمعرفية والعاطفية بين الكتابة البشرية والآلية، ودعوته إلى دمج مدروس ومتوازن للذكاء الاصطناعي يصون الإسهام الثقافي والتخييلي الذي يظل إنسانيًا بامتياز.
الدراسة (PDF)
المصدر: Research Journal in Advanced Humanities، المجلد 6، العدد 4، 2025 (قسم الإنسانيات الرقمية)، نُشر في نيروبي بكينيا عن Royallite Global.