ما وراء المهارات التشغيلية: معرفة المعلمين بالذكاء الاصطناعي وتفاعلاتهم مع الذكاء الاصطناعي التوليدي في تخطيط الدروس

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) بات يدخل الممارسة التعليمية بوتيرة متسارعة منذ الإطلاق العلني لـ ChatGPT في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، وهو ما يثير أسئلة جديدة حول نوع المعرفة المهنية التي يحتاجها المعلمون للانخراط مع هذه الأنظمة بطرق ذات معنى تربوي. وتلاحظ الباحثة أن الأنظمة التوليدية، بخلاف تقنيات التعليم السابقة التي كانت تدعم التنبؤ أو اتخاذ القرار، أصبحت تولّد محتوى جديدًا استجابةً للمطالبات (prompts) وتشارك مباشرةً في إنتاج النصوص والمواد التعليمية، مما يطمس الحدود التقليدية بين الأداة والشريك ويطرح اعتبارات تربوية ومعرفية وأخلاقية مستجدة. وتشير الدراسة إلى أن الجانب الأكبر من الأبحاث القائمة يركز على الكفايات التي يقرّها المعلمون عن أنفسهم بدلًا من فحص كيفية تجسيد المعرفة المهنية فعليًا أثناء الممارسة، وهي الفجوة التي تسعى هذه الدراسة إلى معالجتها.
يتمثل الهدف الرئيس للدراسة في استقصاء كيفية تصوّر معلمي مرحلتي الروضة إلى الثانوية (K–12) للمعرفة المهنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتجسيدها أثناء تخطيط الدروس المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مع اهتمام خاص بالعلاقة بين المعرفة المُصرَّح بها والممارسة المُجسَّدة. وتصوغ الباحثة ثلاثة أسئلة بحثية مترابطة: كيف يتصور المعلمون المعرفة المهنية اللازمة لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تخطيط الدروس؟ وكيف يموضعون أنفسهم إزاء هذه الأنظمة أثناء تفاعلات التخطيط؟ وكيف ترتبط تصوراتهم المعرفية بممارساتهم المُجسَّدة أثناء التعاون بين المعلم والذكاء الاصطناعي؟ ويُعدّ السؤال الثالث محور الدراسة، إذ يتيح فحص الصلة بين البُعدين اللذين يعالجهما السؤالان الأول والثاني.
ترتكز الدراسة على إطارين نظريين متكاملين. الأول هو نموذج “الذكاء التقني التربوي للمحتوى” (Intelligent TPACK أو I-TPACK) الذي طوّره Celik، والذي يوسّع إطار TPACK التقليدي بإدماج المعرفة الأخلاقية بوصفها بُعدًا صريحًا يُبرز التكامل المسؤول والتأملي للتقنية. أما الإطار الثاني فهو منظور “محو الأمية النقدي للذكاء الاصطناعي التوليدي” (Critical GenAI Literacy) الذي يوفّر عدسة لفحص كيفية التفاوض على السلطة والمسؤولية والفاعلية في التفاعل بين المعلم والنظام. وتجادل الباحثة بأن أطر محو أمية الذكاء الاصطناعي تصف الكفايات التي ينبغي أن يطورها المعلمون أكثر مما توفّر أدوات تحليلية لفحص كيفية انخراطهم الفعلي مع هذه الأنظمة، وهو ما يستدعي الجمع بين المنظورين.
اعتمدت الدراسة تصميمًا استكشافيًا يجمع بين ثلاثة مصادر بيانات متكاملة. الأول استبانة سابقة لورشة العمل (N = 61) شملت بنودًا فئوية عن خبرة التدريس والمادة الدراسية وتواتر استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أسئلة مفتوحة عن تعريفات المعلمين للذكاء الاصطناعي واستخداماتهم الراهنة واحتياجاتهم للتطوير المهني والفرص والتحديات المُدرَكة. والثاني سجلات تفاعل وثّقت انخراط المعلمين الآني مع نظام توليدي أثناء تخطيط الدروس، بلغت نحو 1300 زوج من المطالبة–الاستجابة. والثالث تحليلات SWOT جماعية أُجريت بعد الورشة لالتقاط التأمل الجمعي في نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات. وقد عُقدت ورشتان حضوريتان في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025 شارك فيهما 75 معلمًا (60 في الأولى و15 في الثانية) يمثلون التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي في مواد العلوم والدراسات الاجتماعية والإنسانيات، وجُمعت سجلات التفاعل من 60 مشاركًا وافقوا على تحليل تفاعلاتهم.
جرى التحليل عبر أسلوب التحليل المحتوى النوعي (QCA) الذي يمزج بين تطوير الفئات الاستنباطي والاستقرائي. فحُلّلت الاستبانة وبيانات SWOT وفق إطار I-TPACK، بينما حُلّلت سجلات التفاعل بإطار “حل المشكلات التعاوني” (CPS) المُكيّف من أبحاث سابقة، والذي يميز أنماطًا تفاعلية تعكس فاعلية أعلى (تقديم سياق ومعلومات منهجية، وتقديم تغذية راجعة، وطلب مراجعات، والاختيار بين البدائل) مقابل فاعلية أدنى (تفويض واسع للمهمة للنظام بأدنى قدر من الإسهام). وعزّزت الباحثة مصداقية الترميز عبر مراجعة باحث ثانٍ نحو 15% من المادة المُرمَّزة، مع تفضيل الاتفاق التأويلي على حساب مؤشرات إحصائية مثل معامل كوهين.
كشفت النتائج المتعلقة بالسؤال الأول أن نحو نصف المشاركين (49%) لديهم خبرة تدريس تتجاوز 20 عامًا، وأن 4.9% فقط لم يجرّبوا الذكاء الاصطناعي التوليدي قط، وأن 32% يستخدمونه في التدريس و28% في تخطيط الدروس و16% في التقييم. وعند ترميز الإجابات المفتوحة برزت المعرفة التقنية (TK) بوصفها الأكثر تصريحًا (n = 22) مع تركيز على المطالبات وفهم آلية عمل النظام، تلتها المعرفة التقنية التربوية (TPK) في 16 إجابة، ثم المعرفة التقنية للمحتوى (TCK) في 9 إجابات، في حين ظهرت المعرفة الأخلاقية (EK) في 3 إجابات فقط رغم كونها جزءًا صريحًا من نموذج I-TPACK. وعبّر 22 مشاركًا عن حالة من عدم اليقين تتعلق بغياب الأهداف والإرشادات المؤسسية والمخاوف المعرفية بشأن صحة المعرفة ودور الذكاء الاصطناعي في التعلم.
أما تحليل التموضع المُجسَّد (السؤال الثاني) فقد أظهر أن تفويض المهمة كان النمط المهيمن بنسبة 54.8%، وصيانة العمل الجماعي 14.0%، وإرساء الفهم المشترك 10.2%، والتفاوض والتنسيق 17.0%، والحالات دون إسهام تعاوني واضح 4.0%. وبتطبيق إطار CPS تبيّن أن 68.8% من المطالبات عكست فاعلية تفاعلية منخفضة مقابل 27.2% عكست فاعلية مرتفعة. وبلغ متوسط طول الجلسة نحو أربع مطالبات، وكانت استجابات الذكاء الاصطناعي أطول بكثير من إسهامات المعلمين، مما يشير إلى أن المعلمين موضعوا النظام غالبًا بوصفه المولّد الأساسي للمحتوى التعليمي، مع حضور أقل للحظات البناء التشاركي التكراري.
وفي تحليلات SWOT، تراصفت استجابات المجموعات في الأغلب مع المعرفة التقنية التربوية والمعرفة الأخلاقية، إذ وُصف الذكاء الاصطناعي بأنه موفّر للوقت و”لوح صدى” ودعم للتمايز والتعلم الشخصي، مقابل مخاوف من الاعتماد المفرط و”التفريغ المعرفي غير المتأمِّل” وفقدان “الحدس أو اللمسة الإنسانية”. كما أُثيرت قضايا التحيّز والتلاعب والموثوقية ونزاهة الطلبة والغش والمساءلة والانعكاسات الديمقراطية، إلى جانب أسئلة معرفية تتجاوز أطر I-TPACK مثل “ما المعرفة المهمة؟” وتجانس المنظورات وإعادة هيكلة التقييم وتحولات الدور المهني.
خلصت الباحثة في المناقشة إلى وجود علاقة غير خطية ومعقدة بين المعرفة المُصرَّح بها والممارسة المُجسَّدة، إذ لا تُترجم تصورات المعلمين مباشرةً إلى ممارسة تفاعلية، بل يجري التفاوض عليها وإعادة تشكيلها في أثناء التفاعل. وأكدت أن المعرفة المهنية في السياقات الوسيطة بالذكاء الاصطناعي تعمل على مستويات متعددة: بوصفها فهمًا مُصرَّحًا به وبوصفها تموضعًا تفاعليًا مواقفيًا. وتبرز قيمة الجمع بين أطر مجالات المعرفة مثل I-TPACK والتحليل على مستوى العملية لجعل توزّع المسؤولية المعرفية والمبادرة والسلطة مرئيًا. ومن جهة القيود، تنبّه الباحثة إلى أن سياق الورشة يمثّل بيئة استنطاق مواقفية لا ملاحظةً للممارسة الصفية اليومية، وأن النمط المُثقَل بالتفويض قد يعكس استكشافًا مبكرًا أو عدم ألفة بالأداة (نظام قائم على GPT-4o)، وأن العينة طوعية ومنتقاة ذاتيًا، مما يوصي بدراسات طولية مستقبلية تتتبع تطور التموضع التفاعلي وتعزيز الفاعلية المعرفية للمعلمين.
وتوضح أمثلة المطالبات المستخلصة من السجلات طبيعة الأنماط التفاعلية التي رصدتها الباحثة توضيحًا ملموسًا. فأنماط التفويض تجلّت في طلبات مباشرة مثل “ساعدني في خطة تربوية بالسويدية للصف السادس، من فضلك” و”اكتب نصًا عن العصر البرونزي”، دون مزيد من التوضيح أو التنقيح. في المقابل، عكست مطالبات إرساء الفهم المشترك محاولات لضمان التوافق بين المعلم والنظام، كأن يسأل معلم “هل تعتقد أن طالبًا في الصف الثالث الابتدائي بارع إلى هذا الحد في استخدام علامات الترقيم؟” أو أن يعرض سياقه الصفي مثل “نحن نستخدم الدعم بالصور بالفعل، ولدينا سبورة واحدة للصف كله ودعم على المستوى الفردي أيضًا”. أما لحظات التفاوض فظهرت حين وضّح المعلمون الأهداف أو أعادوا تشكيل المخرجات، كالطلب المتعلق بـ”التلاميذ ذوي المشكلات في الرياضيات” أو الرغبة في الكتابة عن مقايضة البرونز بالصوف والجلد والكهرمان في السياق السويدي. وفي الجانب الأخلاقي، عبّر أحد المعلمين (R45) عن صعوبة التمييز بين عمل الطالب والنص المولّد آليًا، إذ “ينسخ الطلبة من ChatGPT ويلصقونه في أعمالهم فيصعب معرفة ما كتبه الطالب بنفسه”، بينما نبّه آخر (R38) إلى أن “مستوى الصدق في كل ذلك يحتاج إلى تدقيق إضافي للحقائق وقد يخلق مزيدًا من العمل”، وهي شواهد تجسّد التوتر القائم بين المنفعة المُدرَكة والحكم المهني.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100371، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100371.