مجتمعات التعلّم الافتراضية بوصفها سياقات لتعلّم المعلمين قبل الخدمة وتطورهم: مقاربة التفكير التصميمي

خلاصة الدراسة
تبحث هذه الدراسة الاستكشافية النوعية كيف وصف المعلمون قبل الخدمة مشاركتهم في بيئة تعلّم مهنية عبر الإنترنت موجَّهة بإطار التفكير التصميمي أثناء تدريبهم الميداني. وتهدف إلى استكشاف أمرين: كيف دعمت المشاركة في مجتمع تعلّم افتراضي للمعلمين التعلّم الاجتماعي والتواصل في سياق إلكتروني، وكيف استخدم المعلمون قبل الخدمة التفكير التصميمي لتفسير التحديات التعليمية والصفية التي واجهوها في مواقع تدريبهم والاستجابة لها. وتنطلق الدراسة من إشكالية مفادها أن كثيرًا من المعلمين قبل الخدمة يدخلون مواقع التدريب الميداني وهم يشعرون بعدم الاستعداد للمتطلبات الانفعالية والعلائقية والتعليمية للتدريس، ويُبلّغون عن فرص محدودة للتأمل الموجَّه، وإرشاد غير متسق، وشعور بالعزلة المهنية، وهي ظروف ترتبط بالاحتراق والتسرّب المبكر.
تسدّ الدراسة فجوة في المعرفة حول كيفية دعم مجتمعات التعلّم الافتراضية للمعلمين قبل الخدمة أثناء التوظيف الميداني، لا سيما في سياقات إعداد المعلمين الأمريكية. وتستند إلى إطارين نظريين متكاملين: إطار “مجتمع الاستقصاء” (CoI) الذي يفسّر التعلّم عبر الإنترنت بوصفه تقاطعًا بين الحضور الاجتماعي والحضور المعرفي والحضور التدريسي؛ وعملية التفكير التصميمي التي توفّر بنية تكرارية صريحة لنقل المشاركين من تحديد المشكلة إلى تطوير الحل وتنفيذه وتحسينه في سياقات تعليمية حقيقية عبر مراحلها الخمس: التعاطف، والتعريف، وتوليد الأفكار، والنمذجة الأولية، والاختبار. وبذلك يمدّ التفكير التصميمي إطار مجتمع الاستقصاء عبر تشغيل كيفية تحوّل الانخراط المعرفي والاجتماعي إلى تجريب عملي وتحسين.
تعرض الدراسة سؤالين بحثيين: كيف دعمت المشاركة في مجتمع تعلّم افتراضي التعلّم الاجتماعي للمعلمين قبل الخدمة، بما يشمل فرص تبادل المعرفة والتواصل في بيئة إلكترونية؟ وكيف استخدم المعلمون قبل الخدمة إطار التفكير التصميمي داخل المجتمع لتفسير التحديات التعليمية والصفية التي واجهوها أثناء تدريبهم والاستجابة لها؟ وتوضح الباحثتان أن الدراسة استكشافية وتركّز على خبرات سبعة معلمين قبل الخدمة ضمن برنامج واحد، ولا تسعى إلى إنتاج ادعاءات قابلة للتعميم، بل إلى تقديم وصف مؤصَّل نظريًا لكيفية عمل مجتمع تعلّم افتراضي موجَّه بالتفكير التصميمي بوصفه بنية دعم قائمة على الممارسة في إعداد المعلمين.
أُجريت الدراسة في جامعة عامة كبيرة جنوب شرق الولايات المتحدة باستخدام تصميم نوعي استكشافي. واشترطت معايير الأهلية أن يكون المشارك مسجّلًا في برنامج إعداد المعلمين الجامعي، وأن يكون قد أكمل ثلاثة فصول دراسية على الأقل، وأن يكون موضوعًا حاليًا في موقع تدريب أو تدريس طلابي في التعليم الابتدائي أو التربية الخاصة. وأُرسل بريد دعوة إلى نحو 120 مرشحًا مؤهلًا عبر القائمة البريدية للبرنامج، ووصف مدة الالتزام بأربع جلسات افتراضية مدة كل منها 60 دقيقة على مدى ثمانية أسابيع. والتحق سبعة مرشحين (بمعدل استجابة 5.8%)، ولم يُستبعد أحد ممن أبدوا اهتمامًا، ولم ينسحب أي مشارك بعد الجلسة الأولى. ومثّل المشاركون مستويات صفية وبرامج متعددة، وجميعهم إناث استُخدمت أسماء مستعارة لهنّ لحماية السرية.
عُقدت أربع جلسات افتراضية عبر “زوم”، بُنيت وفق مراحل التفكير التصميمي مع السماح بالحركة التكرارية عبرها. واتُّبع بروتوكول تيسير ثابت في كل لقاء: تسجيل حضور افتتاحي (5 دقائق) بمطالبة علائقية، وإظهار للمشكلة (10 دقائق) يصف فيه المشاركون معضلة صفية راهنة، وتوليد أفكار تعاوني (25 دقيقة) يقترح فيه الأقران استراتيجيات ويطرحون أسئلة توضيحية، وتخطيط للفعل (10 دقائق) يختار فيه كل مشارك استراتيجية لتجربتها، وتأمّل وختام (10 دقائق). وقد يسّرت المؤلفة الأولى جميع الجلسات وكتبت مذكرات تحليلية خلال 24 ساعة، وسُجّلت الجلسات صوتيًا ونُسخت حرفيًا. كما جُمع استبيان قبلي وبعدي بأسئلة مفتوحة حول الأثر التعليمي المُدرَك والشعور بالتواصل وفائدة عملية التفكير التصميمي، لتثليث بيانات الجلسات.
سار التحليل في مرحلتين ضمن برنامج NVivo 14: مرحلة أولى استُخدم فيها الترميز الاستنباطي المستند إلى إطار مجتمع الاستقصاء لتوصيف السمات التفاعلية للمجتمع، ومرحلة ثانية جرى فيها أولًا تعيين مقاطع الحديث لمراحل التفكير التصميمي ثم الترميز الاستقرائي داخل كل مرحلة لتحديد الفئات المتكررة. وأُضيفت ثلاثة رموز فرعية استقرائية هي “المساحة الآمنة” و”التبادلية” و”عبور الحدود” بين المقررات والعمل الميداني والتعاون بين الأقران. وأسهمت المؤلفة الثانية، التي لم تشارك في التيسير، بوصفها مُحاورة تدقيقية راجعت 25% من النصوص باستخدام دفتر الترميز، وحُلّت مواضع الاختلاف بالتوافق. وعُزّزت المصداقية عبر تثليث الأساليب والاستجواب النظير والبحث عن الحالات النافية، وقُيّم التشبّع رجعيًا إذ أنتجت الجلسات المتأخرة فئات جديدة قليلة.
كشفت النتائج في محورها الأول أن المشاركين وصفوا المجتمع الافتراضي بوصفه مساحة تعاونية وداعمة لمناقشة المعضلات التعليمية، ودعم الحضور الاجتماعي عبر التعبير الانفعالي والتواصل المفتوح وتماسك المجموعة والشعور بالانتماء والمساحة الآمنة. فوصفت إيما المجتمع بأنه “علاج المعلمين”، وقالت تايلور إنها “لا تجد مكانًا آخر للحديث عن الأمر”، ووصفته روري بأنه مكان لـ”الحديث والتواصل والتنفيس والتحقق والضحك”. وبمرور الوقت أشار المشاركون إلى أفكار بعضهم بعضًا وانخرطوا في حوار تلقائي يتجاوز مطالبات الميسّرة، وتطلّبت الجلسات المتأخرة تيسيرًا أقل. أما الحضور المعرفي فتجلّى في تأطير المعضلات الصفية واستكشاف الخيارات والإبلاغ عن استراتيجيات مُجرَّبة، وأما الحضور التدريسي فظهر عبر تصميم الجلسات وقيادة الأقران الناشئة.
في المحور الثاني اعتمد المشاركون بنية التفكير التصميمي لإظهار التحديات القائمة على الممارسة وتفسيرها والاستجابة لها. ففي مرحلة التعاطف عبّروا عن إجهاد انفعالي مرتبط بالتدريس السريري، خاصةً في تعليم القرائية وإدارة الصف والشعور بالعزلة. وفي مرحلة التعريف عرّفوا التحديات بمصطلحات بنيوية، فعزوا المشكلات السلوكية إلى تنظيم الصف والروتين غير الواضح والتوقعات غير المتسقة بدلًا من عناد الطلاب، كما سمّوا التعقيد التعليمي الناتج عن تباين المتعلمين والقيود على فاعليتهم التعليمية بسبب وضعهم متدربين. وفي مراحل توليد الأفكار والنمذجة والاختبار اقترحوا روتينات محددة كمراجعة التوقعات ونمذجة السلوكيات واستخدام المؤقتات البصرية والسمعية، واستراتيجيات علائقية كالتفقّدات غير الرسمية، وبرّروا أفكارهم بخبرات سابقة، والتزموا بتجارب محددة مع توقّع نقاط الإخفاق المحتملة.
تبيّن الباحثتان أن الدراسة تمدّ الأعمال السابقة في ثلاثة اتجاهات: فهي تنقل الاهتمام من مجتمعات التعلّم الافتراضية للمعلمين الممارسين إلى المعلمين قبل الخدمة الذين يتنقلون في مواقع التدريب السريري؛ وتتجاوز توثيق تصورات المشاركين عن التعاون الإلكتروني إلى فحص كيف تطوّر التعلّم الاجتماعي وصناعة المعنى التعاونية وصنع القرار التعليمي داخل المجتمع؛ وتوسّع البحث في التفكير التصميمي في إعداد المعلمين عبر تناوله لا بوصفه نشاطًا صفيًا أو استراتيجية تدريس فحسب، بل بوصفه البنية المنظِّمة لمجتمع افتراضي يدعم حل المشكلات القائم على الممارسة. وتوضّحان أن الحضور الاجتماعي دعم الثقة العلائقية والانفتاح، والحضور المعرفي دعم الاستقصاء التعاوني وصناعة المعنى حول المعضلات الصفية، والحضور التدريسي هيّأ التيسير والتأمل الموجَّه، وأن هذه الشروط خلقت فرصًا للانخراط في حل المشكلات التعاوني والتجريب التعليمي والتحسين التأملي عبر التفكير التصميمي. كما تبيّنان أن مواقع التدريب السريري ظروف محورية لكنها هشّة في تطور المعلمين، إذ يكافح المعلمون قبل الخدمة في إدارة الصف والتخطيط التعليمي والتقويم في أثناء تفاوضهم على علاقاتهم مع المرشدين والطلاب، ويصفون إعدادهم بأنه مجزّأ بفرص محدودة لممارسة الحركات التدريسية أو تلقي تغذية راجعة في حينها، ما قد يعزّز عقلية “اغرق أو اسبح” التي تنظر إلى التدريس بوصفه مسعى فرديًا لا ممارسة تعاونية.
يوضح مثال تايلور هذه الدورة، إذ أثارت تحديًا يتعلق بفاعليتها التعليمية ورغبتها في دمج العمل الجماعي رغم قيود معلمتها المتعاونة، فاقترح الأقران استراتيجيات كنمذجة التوقعات والتمهيد لها، ثم خطّطت لتنفيذ نشاط جماعي مبنيَن وحدّدت تحديات محتملة تتصل بالانتقالات وتركيز الطلاب، وفي جلسة لاحقة تأمّلت الدرس وأبلغت عن ازدياد السلوك المنشغل بالمهمة وتوافق المقاربة مع توقعات معلمتها. وقد وثّقت استجابات بعدية هذا الانتقال من النقاش إلى الفعل، إذ ذكرت أميليا أن المجتمع ساعدها على جعل طلابها ينصتون للتعليمات، ووصفت تايلور كيف تعلّمت جعل منهج القرائية ملكها بدل اتباعه حرفيًا. وتخلص الدراسة إلى أن مجتمعات التعلّم الافتراضية المصمَّمة بعناية قد تعمل مساحاتٍ لصناعة المعنى التعاونية جنبًا إلى جنب مع التعلّم الميداني، لا بوصفها تدخّلات تنتج مخرجات تعليمية مباشرة، مؤكّدةً أن النتائج تُفهم بوصفها خبرات ذاتية مُبلَّغًا عنها ضمن دراسة صغيرة استكشافية لا أدلة على تحسّن تعليمي قابل للقياس أو آثار سببية. ويكمن إسهام الدراسة في بيان كيف يمكن دمج مجتمعات التعلّم الافتراضية وإطار مجتمع الاستقصاء والتفكير التصميمي لفحص العمليات التفاعلية التي يصنع بها المعلمون قبل الخدمة معنى تحديات التدريب السريري، مع تأكيد أن المجتمعات المصمَّمة بقصدٍ قد تدعم الحوار التأملي والنقاش الموجَّه نحو الممارسة أثناء الخبرات السريرية، وتُثري تصميم أشكال الدعم بوساطة التكنولوجيا في إعداد المعلمين، عبر تمركزها حول منظورات المعلمين قبل الخدمة أنفسهم بوصفهم فاعلين في تعلّمهم لا متلقّين سلبيين له.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100382، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100382.