مراجعة منهجية لنماذج تعلّم الموسيقى المعزَّز بالتقنية: آثارها في التربية الموسيقية

خلاصة الدراسة
تعالج هذه المراجعة المنهجية إشكاليةً مفادها أنّ التربية الموسيقية المعزَّزة بالتقنية قد نمت عالميًا، غير أنّ فهم نماذجها ونواتجها وتحدّياتها ما يزال مجزَّأً ومبعثرًا. ومن ثمّ يسعى البحث إلى تركيب الأدبيّات حول نماذج تعلّم الموسيقى المعزَّز بالتقنية (Technology-Enhanced Music Learning Models – TEMLeM) بهدف تحديد أبعادها التربوية الرئيسة، والتقنيات المستخدَمة فيها، ونواتج التعلّم المرتبطة بها، وتحدّيات تصميمها وتطبيقها، فضلًا عن تطوير إطارٍ مفاهيميّ لتوظيف استراتيجيات التعلّم داخلها. وينطلق من ملاحظة أنّ التعليم الموسيقيّ يعتمد تاريخيًا على التدريس المباشر وجهًا لوجه بما يوفّره من توجيهٍ فيزيائيّ فوريّ (كتصحيح الوضعية وموضع اليد والتقنية)، لكنّ محدوديّاته من حيث المرونة والكلفة والقيود الجغرافية والزمانية، وما فاقمته جائحة كوفيد-19 من تراجعٍ في ساعات التمرين وارتفاعٍ في التوتّر، دفعت إلى البحث عن بدائل قوامها التعلّم المدمَج والتعلّم عن بُعد المدفوع بالتقنية.
ويستند الإطار النظري إلى مفهوم التعلّم المعزَّز بالتقنية (TEL) بوصفه تعلّمًا مُيسَّرًا عبر التقنيات الرقمية في سياقاتٍ متنوّعة يتيح التفاعل مع المحتوى والأقران، وما يوفّره من إتاحيةٍ وتفاعلية وتخصيص وتشبيك وتعاون وفعّالية من حيث الكلفة. ويؤكّد البحث أنّ للموسيقى طبيعةً ونسيجًا فريدين (صوتًا وإيقاعًا ولحنًا وتناغمًا) يفرضان على مصمّمي التعليم مراعاة أهداف المجالات المعرفية والوجدانية والنفسحركية ودرجة تكامل التقنية، وأنّ النموذج التعليميّ يمثّل مخطّطًا شاملًا يُنظّم أنشطة التعليم والتعلّم ويرتّب الخبرات ذات المعنى. ويشدّد على أنّه لا توجد مراجعة منهجية سابقة تناولت نماذج TEMLeM بوصفها فئةً متمايزة، إذ تناولت المراجعات القائمة إمّا ممارسات TEL العامّة وإمّا التربية الموسيقية على اتّساعها، تاركةً هذا التقاطع غير مُستكشَف.
أمّا المنهجية فقد اعتمدت بروتوكول PRISMA، ثم وُظِّفت استراتيجية التقويم النقديّ لدى ثيلين وزملائه (Theelen et al.) لتقييم جودة المنشورات، وأُنشئ مخطّط ترميزٍ مؤسَّس على الإطار النظريّ المقترَح لتحليل الدراسات. وحُدّد نطاقٌ زمنيّ من 2010 إلى 2024 لضمان مواكبة أحدث التقنيات، واعتُمدت استراتيجية بحثٍ منفتحة شملت مقالات المجلّات المحكَّمة والمؤتمرات والأطروحات الدكتورية وفصول الكتب ورسائل الماجستير، مع استبعاد المقالات الصحفية والمجلّات العامّة والتقارير والافتتاحيّات. وفي المرحلة الأولى من الفرز عبر خمس قواعد بيانات (Scopus بعدد 2246، وProQuest بعدد 1096، وERIC بعدد 390، وWeb of Science بعدد 907، وIEEE بعدد 364) حُدِّد 5003 أبحاث، فاستُبعد 381 مصدرًا لعدم مطابقة نوع المصدر، وأُزيل 1733 مقالًا مكرَّرًا، ليخضع 2889 مقالًا لفرز العناوين والملخّصات، فاستُبعد منها 2743 مقالًا لعدم صلتها بأسئلة البحث. ومن 146 مقالًا خضعت للمراجعة الكاملة، استُبعد 106 مقالات، فتبقّى 40 مقالًا، ثم استُبعد 14 منها بناءً على التقويم النوعيّ (بمتوسّط أقلّ من نقطتين)، وأُضيف 4 مقالات عبر البحث اليدويّ في الاستشهادات، لينتهي الأمر إلى اختيار ثلاثين مقالًا لاستخلاص البيانات.
واعتمد التقويم النوعيّ معايير ثيلين المستمَدّة من عمل سافين-بادن وميجور للدراسات النوعية وقائمة NICE للدراسات الكمّية، بنظام تدريجٍ من صفر (لا ذكر) إلى ثلاث نقاط (ذكر مستفيض). وأُدخلت الدراسات جميعها إلى برنامج ATLAS.ti 9 للتحليل النوعيّ، ورُمّزت وفق مخطّطٍ يتألّف من أربع فئات رئيسة و16 فئةً فرعية و54 وسمًا. ولفحص موثوقية الترميز بين المصحّحين، رُمّزت ورقتان عشوائيًا من قِبَل مصحّحَين مستقلّين، فبلغ اتّفاق كابا لكوهين 87% (κ = 0.74 بمستوى دلالة أقلّ من 0.001)، بما يدلّ على اتّساقٍ جوهريّ. واستُخدمت الإحصاءات الوصفية (التكرارات المطلقة والنسب المئوية) عبر برنامج Excel، ثم أُدخلت البيانات في محرِّر yEd Graph لإنتاج الرسوم.
وعلى صعيد النتائج، تبيّن أنّ معظم الدراسات المضمَّنة نُشرت منذ عام 2020 (23 دراسة بنسبة 77%)، وأنّ غالبيّتها مقالاتٌ في المجلّات (17 دراسة، 57%)، تليها الأطروحات الدكتورية (10 دراسات، 33%)، وأنّ لغة النشر الغالبة هي الإنجليزية (25 دراسة، 83%)، مع مساهماتٍ بالفارسية والتركية والإسبانية. وتوزّعت الدراسات على 14 دولة تصدّرتها الولايات المتّحدة (7 دراسات، 23.3%)، تليها تركيا وإيران (5 دراسات لكلٍّ منهما، 16.7%). أمّا مناهج البحث فكانت المناهج المختلطة الأكثر شيوعًا (12 دراسة، 40%)، تليها النوعية (11 دراسة، 37%)، فالكمّية (7 دراسات، 23%). وكان المعلّمون الموسيقيّون أكبر الفئات المستهدَفة (11 دراسة، 37%)، يليهم طلبة المرحلة الثانوية (10 دراسات، 33%).
وفي البُعد التربويّ (السؤال الأوّل) هيمنت البنائية (Constructivism) بوصفها الأساس النظريّ الأبرز إذ ظهرت في 25 دراسة (83%)، مقابل حضورٍ محدود للسلوكية (3 دراسات، 10%) والمعرفية (3 دراسات، 10%) والاتّصالية (4 دراسات، 13%). وعلى مستوى التصميم التعليميّ توزّعت الدراسات بين المستوى الكلّي (19 دراسة، 63%) والمستوى الجزئيّ (17 دراسة، 57%). وفي مستوى إتقان المتعلّم غلب التركيز على المبتدئين (17 دراسة، 57%)، ثم المتوسّطين (11 دراسة، 37%)، فالمتقدّمين (10 دراسات، 33%). وفي فئات المستفيدين كان البالغون (19 سنة فأكثر) الأكثر استهدافًا (19 دراسة، 63%)، ثم المراهقون (13 دراسة، 43%)، بينما نال الأطفال (6–12 سنة) أقلّ اهتمام (5 دراسات، 17%). وبرز إطار TPACK بوصفه النموذج الأكثر استشهادًا (7 دراسات، 23%)، إلى جانب نماذج مثل ADDIE و5E وASSURE ومنهاج برونر الحلزونيّ.
وفي بُعد التقنيات (السؤال الثاني) صُنِّفت الأدوات في خمس فئات كبرى، كانت أبرزها “الأدوات والبرمجيات الرقمية” (27 دراسة، 90%) و”منصّات التعلّم والتواصل عبر الإنترنت” (24 دراسة، 80%)، بينما ظلّت التقنيات المتخصّصة مثل “الذكاء الاصطناعي والتقنيات التكيّفية” (6 دراسات، 20%) و”المحاكاة والواقع الافتراضيّ والمعزَّز” (5 دراسات، 17%) أقلّ حضورًا. وضمن البرمجيات كانت البرمجيات الموسيقية الأكثر ذكرًا (17 دراسة، 57%)، وتساوت نُظم إدارة التعلّم (LMS) وأدوات مؤتمرات الفيديو (16 دراسة لكلٍّ منهما، 53%). ولافتٌ أنّ 28 دراسة (93%) وظّفت مزيجًا من التقنيات لا أداةً منفردة. وفي بُعد النواتج كانت إجادة الأداء الموسيقيّ الناتج الأكثر شيوعًا (70%)، بينما حظيَ التعبير الانفعاليّ (10%) والحسّ الجماليّ (7%) بعنايةٍ أقلّ. وفي بُعد التحدّيات تبيّن – خلافًا للسرديّات المتمركزة حول التقنية – أنّ التحدّيات البيداغوجية (93%) كانت أشدّ وطأةً من الحواجز التقنية (87%).
وفصّلت الدراسة في فئات التقنية استنادًا إلى مخطّط الترميز؛ فضمن منظومة التعلّم والتواصل عبر الإنترنت كانت نُظم إدارة التعلّم (مثل Moodle وCanvas وMusicFirst) الفئة الأكثر شيوعًا، تلتها أدوات مؤتمرات الفيديو (مثل Zoom وSkype وGoogle Meet) التي غدت بالغة الأهمّية لدعم التدريس الآنيّ والتغذية الراجعة في سياقات التعلّم عن بُعد، فيما برزت تقنيات التعلّم عبر الأجهزة المحمولة (كتطبيق GarageBand) ومحطّات العمل الصوتية الرقمية (DAWs) وبرمجيات الإنتاج الموسيقيّ. كما رصدت الدراسة بروز تقنياتٍ مبتكرة أقلّ انتشارًا، مثل أنظمة الواقع المعزَّز لدى نيجس وبِهزاداوال، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لدى كريماتا وزانغ وزانغ، وبرمجيات موسيقية متخصّصة مثل EarToner وGNU Solfege لدى شيرباك وزملائه. وأظهرت أنّ فئات الذكاء الاصطناعي والتقنيات التكيّفية شملت أنظمة التدريس الذكية وأدوات التقييم الموسيقيّ الآليّ وأدوات تحليل الصوت وتمثيله البصريّ، وكلٌّ منها ظهر في ثلاث دراسات (10%)، بما يشير إلى اهتمامٍ متنامٍ بالأنظمة الذكية والتكيّفية في التربية الموسيقية.
وكشف التحليل الزمنيّ عن تحوّلٍ من نُظم توصيل المحتوى الرقميّ الأساسية والعروض المتعدّدة الوسائط في الدراسات الأقدم (2010–2017) نحو تقنياتٍ أكثر تطوّرًا وتفاعليةً وتخصّصًا في الأبحاث الحديثة (2018–2024). كما بيّنت الدراسة نزوعًا واضحًا نحو التكامل النظريّ، إذ دمجت اثنتا عشرة دراسة (40%) نظرياتٍ تعلّمية متكاملة متعدّدة؛ فمثلًا جمعت دراسة إمبيريو بين البنائية الاجتماعية والموسيقية الشاملة والمنهاج الحلزونيّ والتعلّم غير الرسميّ، بينما دمجت دراسة محمّديان بين البنائية والمقاربات المتمركزة حول المتعلّم ونظريّتَي التنظيم الذاتيّ والدافعية. وأبرزت ظهور أطرٍ نظرية متخصّصة، مثل المقاربات المجسَّدة (Embodied) التي تُعنى بدور التفاعل الجسديّ في التعلّم الموسيقيّ، والمقاربة العصبية–البيداغوجية التي تبحث كيف يُسهم فهم وظائف الدماغ في توجيه التعليم الموسيقيّ المعزَّز بالتقنية، فضلًا عن الأطر الدافعية مثل نموذج ARCS لكيلر. ولاحظت أنّ 28 دراسة (93%) وظّفت تركيباتٍ من التقنيات بدل الأدوات المنفردة، بما يعكس نضجًا متزايدًا في تصميم المنظومات التقنية الموسيقية.
وتخلص الدراسة إلى اقتراح نموذجٍ مفاهيميّ يدمج شروط التعلّم ونواتجه وتصميمه وتقنيّاته، وتتحدّى فيه الافتراض القائل بأنّ للتقنية قدرةً تلقائية على “دَمقرطة” التعليم، مرجّحةً أنّ التطبيقات الراهنة قد تعيد إنتاج القيود التقليدية نفسها ما دامت التقنيات العامّة (90%) تطغى على الأدوات الموسيقية المتخصّصة، وما دام التركيز منصبًّا على البالغين المبتدئين مع تهميشٍ للأطفال والمتعلّمين المتقدّمين. وتوصي بأن تتّجه الأبحاث المستقبلية إلى بناء أطرٍ خاصّة بالموسيقى، والعناية بالفئات المهمَّشة، وتحقيق توازنٍ بين الإتقان التقنيّ والتنمية الجمالية. وتكمن أهمّية العمل في كونه أوّل تركيبٍ منهجيّ مخصَّص لنماذج TEMLeM، يوفّر قاعدة أدلّةٍ لتصميم النماذج الموسيقية القائمة على التقنية وتقويمها، ويكشف عن التنوّع التقنيّ المتسارع في الفترة 2022–2024.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100354، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100354.