الأدب العربي والذكاء الاصطناعي في النصف الأول من 2026: من التنظير إلى الوقائع

شيء ما تغيّر في نبرة الصفحات الثقافية العربية هذا العام. القارئ الذي كان يمرّ قبل عامين على عنوان عن «الذكاء الاصطناعي والأدب» فيحسبه ترفاً مستقبلياً، وجد نفسه هذا الربيع أمام فضيحة في معرض كتاب، ورواية على رف المكتبة يحمل عنوانها اسم آلة، وشاعر كبير يدافع عن القصيدة كمن يدافع عن بيته. تراكمت الأخبار بين يناير ويوليو 2026 حتى أصبح من الممكن الحديث عن لحظة عربية خاصة في علاقة الأدب بالآلة. في هذه التغطية نحاول رصد تلك اللحظة وقراءتها على مهل.
القاهرة تفتح الملف
بدأت الحكاية في فبراير، على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، حين تداولت الأوساط الثقافية خبر رواية قيل إن ChatGPT كتبها. وصفتها الصحافة يومها بـ«الفضيحة الثقافية»، وتابعت تفاصيلها إيلاف واليوم السابع. ولأن الحادثة مسّت عصباً حساساً في الوسط الأدبي، سرعان ما تجاوز النقاش الرواية نفسها إلى أسئلة أعمق: ما الذي يجعل النص منسوباً إلى صاحبه؟ وأين ينتهي حد الاستعانة المشروعة ويبدأ الانتحال؟ بعد أيام قليلة نشرت الجزيرة ملفاً موسعاً بعنوان «الذكاء الاصطناعي يكتب الرواية: هل بدأ عصر السرد الآلي؟»، وكأن السؤال خرج من قاعة المعرض ليستقر في صدر المشهد الثقافي كله.
ثم جاءت رياح الجدل من الخارج. ففي مايو اعترفت الروائية البولندية أولغا توكارتشوك، الحائزة على نوبل، بأنها تستعين بالذكاء الاصطناعي في البحث التحضيري لرواياتها، فانشغلت باعترافها الصحافة الثقافية العربية كما رصدت وكالة سانا. وفي يونيو تابعت الأصوات العالمية قصة فازت بجائزة الكومنولث ثم وجدت نفسها في مهب مزاعم عن كتابتها بالذكاء الاصطناعي. السؤال واحد إذن من القاهرة إلى وارسو إلى لندن: من يكتب النص، ومن يستحق أن يوقّعه؟
كتّاب يجرّبون بدل أن يتفرجوا
وسط هذا الضجيج، اختار بعض المبدعين طريقاً ثالثاً: التجريب. أصدر الروائي اليمني حبيب عبد الرب السروري روايته «اعترافات AI حزين» عن دار الساقي، وجعل من الذكاء الاصطناعي شخصية وصوتاً سردياً يحمل همومه الخاصة، ثم أتبع الرواية بمقال في القدس العربي عنوانه «أتمتة الإبداع الروائي بالذكاء الاصطناعي»، فجمع بين الممارسة والتأمل فيها في آن واحد.
وعلى رف النقد صدر كتاب «الذكاء الاصطناعي والنقد الأدبي الحديث» لحسين جداونه، وفيه قراءات تفكيكية للقصة القصيرة جداً كما يعرض له موقع السؤال الآن. أما الجامعات فقدمت نصيبها من الدرس الرصين: دراسة «الذكاء الاصطناعي وتحليل البنية السردية في الرواية العربية الحديثة» التي أخضعت خمسين رواية للتحليل الحاسوبي، ودراسة «إنتاج الشعر العربي بواسطة الذكاء الاصطناعي: دراسة نقدية» التي تفحص القصيدة المولّدة آلياً بعين الناقد. يلفت الانتباه هنا أن الأكاديميا العربية بدأت تستخدم أدوات التقنية نفسها في دراستها، بعد سنوات من الاكتفاء بالتعريف والتأريخ.
المؤسسات تجلس إلى الطاولة
من تابع برامج معارض الكتب هذا العام لاحظ أن الموضوع حجز مقعده في كل قاعة تقريباً. ففي معرض القاهرة (يناير–فبراير) انعقد مؤتمر «الذكاء الاصطناعي والثقافة العربية: الإمكانات والمخاطر»، وجرت ندوة «الذكاء الاصطناعي والمعرفة في الميزان» وندوة «القراءة في عصر الذكاء الاصطناعي». وفي التوقيت نفسه تقريباً عقدت جامعة الإمارات (9–10 فبراير) مؤتمراً دولياً حول إعادة تصور الترجمة والدراسات الأدبية في عصر الذكاء الاصطناعي والسرد التفاعلي، وهو عنوان قريب إلى قلب كل مشتغل بالأدب الرقمي.
وفي مايو جاء دور الدوحة. ناقشت إحدى ندوات معرض الكتاب هناك توظيف الذكاء الاصطناعي في حفظ المخطوط العربي، فذكّرت الجميع بأن التقنية تطرق باب التراث بقدر ما تطرق باب المستقبل. وفي المعرض نفسه طرحت ندوة للجزيرة سؤالها بلا مواربة: الذكاء الاصطناعي خطر على العرب أم فرصة؟
أصوات الرأي تتوزع
على صفحات الرأي بدت خريطة المواقف أوضح. كاتب «الرواية العربية في زمن الذكاء الاصطناعي» في الشرق القطرية يتأمل مستقبل السرد العربي بهدوء من يراقب موجة قادمة من بعيد، فيما لخّص مقال «الأدب والذكاء الاصطناعي: بين تهديد الأصالة وتمكين الإبداع» حيرة جيل كامل في عنوانه. أما الشاعر شوقي بزيع فحسم موقفه في مقاله بصحيفة البيان «القصيدة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي»، ويرى أن الشعر «نقيض كل ما هو مصطنع». في عبارته هذه يختصر مزاج تيار واسع من الشعراء والنقاد يرى في القصيدة ملاذاً أخيراً لما هو إنساني خالص.
ماذا تقول لنا هذه الأشهر الستة؟
ثلاث ملاحظات تفرض نفسها عند استعادة المشهد. أولاها أن الوقائع سبقت النظرية: روايات تصدر وجوائز تُمنح ثم تُطعن وتحقيقات ثقافية تُفتح، والنقاش النظري يلهث خلفها محاولاً اللحاق. وثانيتها أن المؤسسة الرسمية دخلت الحوار من بابه الواسع، فموضوع كان إلى وقت قريب حبيس المدونات والملاحق الثقافية صار بنداً ثابتاً في برامج المعارض والجامعات، وهذا الحضور يمنحه عمراً أطول من مواسم الجدل العابرة. وثالثتها أن الانقسام بين المتحمسين والمتوجسين يزداد وضوحاً: فريق يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مشروعة للبحث والتحرير والتجريب، وتجربة السروري واعتراف توكارتشوك من هذا الباب، وفريق يرى فيه خطراً يمس جوهر الأصالة الإنسانية، وموقف بزيع أبلغ تعبير عنه.
وبين الفريقين تنمو مساحة ثالثة نراها الأجدر بالرعاية: مساحة من يدرسون الظاهرة بأدوات المعرفة قبل أحكام القيمة. في هذه المساحة تُكتب الدراسات التي تفحص البنى السردية حاسوبياً، وتُقرأ القصيدة المولّدة آلياً قراءة نقدية متأنية، وتُعقد المؤتمرات التي تعيد التفكير في الترجمة والسرد التفاعلي. وهي المساحة نفسها التي يشتغل عليها ملتقى راقمون منذ تأسيسه، توثيقاً وترجمة ودرساً، في مكتبة عربية مفتوحة للجميع.
أما النصف الثاني من العام فيحمل أسئلته المعلقة: هل تتجه الجوائز الأدبية العربية إلى مواثيق للإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال المرشحة؟ وهل ستعلن دور النشر سياساتها في هذا الشأن؟ سنبقى على الموعد، ونواصل الرصد.