راقمون

تغطيات ثقافية وفنية

ندوة النقد الأدبي العربي والذكاء الاصطناعي في رحاب المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح

في ظل التسارع التكنولوجي الذي يشهده العالم، نظم “المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح” ندوة فكرية عميقة في بوم 16 مابو 2025م تحت إدارة الأستاذ حميد عقبي، لمناقشة واحد من أهم المواضيع المعاصرة: تقاطع الذكاء الاصطناعي مع النقد الأدبي والإبداع البشري. جمعت الندوة نخبة من الأكاديميين، والنقاد، والمبدعين من مختلف الدول العربية والأوروبية، ليطرحوا تساؤلات جوهرية حول قدرة الآلة على فهم النص الأدبي، وتأويله، وما إذا كانت تشكل أداة مساعدة أم تهديداً وجودياً للمبدع والإنسان.

وفيما يلي التغطية الشاملة لأبرز المحاور والرؤى التي طُرحت خلال الندوة:

المحور الأول: الذكاء الاصطناعي كأداة للتحليل.. هل يفهم النص؟

افتتح الدكتور أحمد الفلاحي (المتخصص في الذكاء الاصطناعي) النقاش بتوضيح تقني مهم؛ فالذكاء الاصطناعي لا يعمل كمجرد قاعدة بيانات، بل يعتمد على “قاعدة معرفة” وتعلم الآلة (Machine Learning). واستعرض تجربته في تطوير نماذج قادرة على كشف “البصمة الأسلوبية” للكتاب والشعراء بدقة عالية، مشيراً إلى أن الآلة قادرة على:

  • تحليل اللغة والأسلوب واكتشاف الأنماط المتكررة.
  • تحليل المشاعر (الفرح، الحزن، الغضب) داخل النص لمساعدة الناقد.
  • المقارنة بين النصوص لاكتشاف التناص والسرقات الأدبية.

رغم هذه القدرات الجبارة في معالجة ملايين الكلمات، أكد د. الفلاحي أن النصوص التوليدية تفتقد لـ “الحس البشري”، وأن الآلة لا تمتلك الحاسة السادسة التي يمتلكها الناقد والإنسان.

من جهته، فرّق الدكتور طارق مختار بين مستويين؛ “صناعة النص” و”تحليله”. وأكد أن الآلة، رغم قدرتها على الإحصاء اللغوي وتفكيك البنية السطحية للنص، تظل عاجزة عن التأويل (الهيرمنيوطيقا). فالنقد الثقافي يبحث عن “النسق المضمر” والمسكوت عنه، وهو ما لا تستطيع الآلة إدراكه، لأنها تفتقر للوعي الإنساني والروح التي تُضفي على النص بهاراته وجاذبيته.

المحور الثاني: إشكاليات المحتوى العربي وتحديات الترجمة والأكاديميا

أضاء الدكتور حاتم الشماع على إشكالية كبرى تتعلق بـ “فقر الأرشيف العربي” على شبكة الإنترنت. هذا النقص يؤدي إلى وقوع الذكاء الاصطناعي في مغالطات تاريخية وعدم قدرته على فهم السياقات الثقافية واللهجات المحلية. وفي مجال الترجمة، حذر من الاعتماد الكلي على الآلة، لأن الترجمة الحقيقية تتطلب فهم “جوهر النص” وثيمة الكاتب، وليس مجرد نقل حرفي يؤدي إلى تشويه رسالة المؤلف.

انتقلت الدكتورة دورين إلى تأثير الذكاء الاصطناعي في الحرم الجامعي، مؤكدة أن الخوف ليس من الآلة كدخيل، بل هو “واقع” يجب تحديه. شاركت تجربتها في تغيير نمط الامتحانات لتصبح تحدياً للذكاء الاصطناعي نفسه، والسماح للطلاب باستخدامه لاختبار قدراتهم على النقد والتحليل المعمق. وأشارت إلى أن الآلة قد تتفوق في “الحبكة الصادمة” لقصة ما بسبب قدرتها على دمج معلومات هائلة، لكنها تفشل في الصياغة الإبداعية الأصيلة وتتحيز للبيانات التي تدربت عليها.

وفي السياق الأكاديمي ذاته، شدد الدكتور سعد التميمي على أن الذكاء الاصطناعي هو تطور حتمي لمحركات البحث، ولكنه حذر من “الكسل الأكاديمي” وضياع الأمانة العلمية (التلاص). وأكد أن الآلة كلما اقتربت من مجالات العلوم الدقيقة نجحت، وكلما اقتربت من الإبداع التخيلي (كالشعر والرواية) قدمت نصوصاً “جافة وباردة” يغلب عليها التكرار المفرط.

المحور الثالث: مخاوف وجودية.. الفن، والأخلاق، والغباء الاصطناعي

أخذت الندوة طابعاً فلسفياً ووجودياً مع مداخلات بعض المتحدثين:

  • الفنان يوسف الناصر: طرح تساؤلاً جوهرياً حول ماهية الفن؛ فالفن ينبع من غاية إنسانية، وموهبة، و”حاجة روحية” للتعبير وتحدي الفناء. وتساءل عما إذا كانت الآلة ستكتسب يوماً هذه الحاجة الروحية، مبدياً تشاؤمه من أن هذا التطور قد يزيح الفنان التقليدي، واصفاً التبعية العمياء للآلة في مجتمعاتنا المستهلكة بـ “الغباء الاصطناعي”.
  • الأستاذ راسم الحديثي: عبّر عن قلق عميق إزاء مستقبل الكوكب، محذراً من جيوش الروبوتات التي قد تحيل البشر إلى فائض عاطل عن العمل، وصولاً إلى استبدال العلاقات الإنسانية بروبوتات عاطفية. وذكر تجربته عندما طلب من الآلة تحليل روايته حول الصراع العراقي، ليجدها عاجزة تماماً عن ملامسة الألم الإنساني.
  • الأستاذ صبري يوسف: أكد أن الذكاء الاصطناعي هو نتاج الذكاء البشري، محذراً من استخدامه كأداة للسرقة والسطو على إبداعات الآخرين. واستشهد بطرفة عندما سأل الآلة عن مكان ولادته، فأعطته إجابة خاطئة كلياً، مما يدل على ضرورة الحذر والذكاء في التعامل مع مخرجاتها، مشيراً إلى أن غياب الأخلاق هو ما يدمر البشرية وليس التكنولوجيا بحد ذاتها.

المحور الرابع: البراغماتية، المستقبل، وحتمية التكيف

في مقابل المخاوف الوجودية، قدم الدكتور حسين المناصرة رؤية أكثر براغماتية وتصالحاً مع التكنولوجيا. أشار إلى الطفرات الهائلة التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي في إطالة عمر الإنسان وتقديم العلاجات الطبية. وأوضح كيف يمكن للأستاذ الجامعي استخدامه لاختصار أيام من التحضير إلى دقائق معدودة.

استعرض د. المناصرة تجربة تفاعلية مباشرة خلال الندوة، حيث طلب من الآلة كتابة قصيدة عن صمود “غزة”، وتفاجأ بقدرتها على تعديل القوافي والصور الشعرية بناءً على توجيهاته بسرعة فائقة. ورغم إقراره بالتهميش المحتمل للإنسان مستقبلاً، أكد أن التعامل الإيجابي والتسلح بهذه التقنية هو الخيار الوحيد للبقاء ضمن دائرة التطور.

خلاصة الندوة

أجمعت الآراء في “المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح” على أننا نقف على أعتاب حقبة جديدة تعيد تعريف معنى الإبداع. الذكاء الاصطناعي قوة لا يستهان بها، قادرة على إنجاز مهام بحثية وإحصائية كانت ترهق العقل البشري، لكنه يظل في جوهره “مرآة” تعكس ما نغذيه بها من بيانات. الإبداع البشري، بآلامه، وتعقيداته، وأنساقه الثقافية المضمرة، يظل عصياً على الخوارزميات، ليبقى الرهان الحقيقي على الإنسان: كيف يوظف هذه الآلة دون أن يتنازل لها عن روحه وبصيرته.

18 مايو، 2025
Scroll to Top