راقمون

دراسات وأوراق علمية

محو أمّية الذكاء الاصطناعي لدى معلّمي العلوم واستخدامهم له في التدريس: دلالات لبرامج التأهيل اللاحق

8 يوليو، 2026
اسم المجلةComputers and Education Open
المجلد10
الصفحات100376
تاريخ النشر9 مايو 2026

خلاصة الدراسة

تعالج هذه الدراسة إشكالية متنامية مفادها أنّ الذكاء الاصطناعي، ولا سيّما التوليدي منه، بات ذا أهمية متزايدة في السياقات المهنية واليومية، ما يجعل دمجه في المناهج التعليمية ضرورةً ملحّة. فالمعلّمون يستطيعون توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم التخطيط للدروس وتنفيذها ومتابعتها، غير أنّ الاستفادة الفعّالة من هذه الفرص تتطلّب معارف وكفايات متّصلة بالذكاء الاصطناعي تُمكّنهم من تحسين استخدامه وإعداد الطلبة لعالم يقوده هذا الذكاء. ومن ثمّ، تهدف الدراسة إلى تحرّي الحاجة إلى برامج تأهيل لاحق مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لمعلّمي العلوم العاملين في الخدمة، وإلى تحديد مجالات التركيز ذات الصلة. وعلى وجه التحديد، تبحث الدراسة مدى امتلاك معلّمي العلوم في التعليم الثانوي لمحو أمّية عامّة بالذكاء الاصطناعي، وكيف ولماذا ولأيّ أغراض يستخدمونه في التخطيط للدروس ومتابعتها وفي أثناء التدريس، بما يُوفّر أساسًا لاشتقاق محتوى برامج التأهيل اللاحق.

يستند الإطار النظري للدراسة إلى نموذج المعرفة التربوية التقنية للمحتوى (TPACK) الذي يقوم على ثلاثة مجالات: المعرفة التقنية، والمعرفة التربوية، والمعرفة المرتبطة بالمحتوى، وما ينشأ عن تقاطعاتها من مجالات معرفية أخرى. ولمّا كان الذكاء الاصطناعي تقنيةً رقمية، فقد كيّف الباحثون هذا النموذج ليُدرجوا المكوّن التقني المرتبط بالذكاء الاصطناعي، فاستخدموا مصطلحات مثل المعرفة التقنية بالذكاء الاصطناعي، والمعرفة التقنية للمحتوى بالذكاء الاصطناعي، والمعرفة التربوية التقنية بالذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى المعرفة التربوية التقنية للمحتوى بالذكاء الاصطناعي. كما استندت الدراسة إلى تعريف محو أمّية الذكاء الاصطناعي بوصفه مجموعة من الكفايات التي تُمكّن الأفراد من التقييم النقدي لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتواصل والتعاون معها واستخدامها أداةً في المنزل والعمل. وللاطّلاع على مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في تدريس العلوم، استعانت الدراسة بإطار DiKoLAN الراسخ في ألمانيا والمناطق الناطقة بالألمانية، الذي يميّز سبعة مجالات للتدريس في العلوم الطبيعية، منها المجالات الأكثر تخصّصًا كاكتساب البيانات ومعالجتها والمحاكاة والنمذجة، والمجالات الأعمّ كالتوثيق والعرض والتواصل والتعاون والبحث عن المعلومات وتقييمها، ومجال التقييم والتغذية الراجعة والتكيّف المُضاف حديثًا.

اعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًّا مختلط الأساليب. أمّا الجزء الكمّي فقد قام على مسح إلكتروني لمعلّمي العلوم العاملين في الثانويات في ألمانيا وسويسرا بلغ مجموعهم 115 معلّمًا، جرى استقطابهم عبر دعوات بالبريد الإلكتروني إلى مدارس ثانوية مُختارة عشوائيًّا في ولايات بادن-فورتمبيرغ وراينلاند-بالاتينات وشمال الراين-وستفاليا وفي مدارس سويسرية. وتألّفت المنهجية من ثلاثة عناصر جوهرية: أولها قياس محو أمّية الذكاء الاصطناعي باستخدام اختبار كفاية مُتحقَّق منه من إعداد هورنبرغر وزملائه يتألّف من ثلاثين بندًا من نوع الاختيار من متعدّد تغطّي ست عشرة مجالاً فرعيًّا لمحو الأمّية العامّة، ويُمنح المشارك نقطة واحدة عن كل بند صحيح؛ وثانيها استبانة من خمسة عشر بندًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الصفّ وفي التحضير والمتابعة، جُمعت عبر أداة LimeSurvey باستخدام مقاييس ليكرت الخماسية؛ وثالثها مقابلة شبه مبنيّة عبر الإنترنت شارك فيها طوعًا 21 معلّمًا بعد إكمالهم الجزأين الأولين، أُجريت وحُلّلت وفق مبادئ مايرينغ وفنتزل بمقاربة ترميز توافقي بين مرمّزَين مستقلّين. وجُمعت البيانات عام 2024، وضُبط مستوى دلالة قدره 5%، واستُخدمت اختبارات مربّع كاي وكرامر في وآرتباط سبيرمان ومعامل إيتا واختبارا كروسكال-واليس ومان-ويتني بحسب طبيعة المتغيّرات.

لتحليل أسئلة البحث، تشكّلت عيّنات فرعية. فلقياس محو أمّية الذكاء الاصطناعي، أُدرجت بيانات من أجابوا أكثر من 75% من الاستبانة، وبلغ عددهم 64 مشاركًا (47% نساء و50% رجالًا و3% لم يُدلوا بمعلومات)، فيما اقتُصر تحليل العلاقة بين محو الأمّية والاستخدام على 49 مشاركًا بعد استبعاد البيانات غير المتّسقة. أمّا أسئلة البحث الثالث حتى السادس فحُلّلت على مستوى المادة عند عيّنة استخدام قوامها 81 معلّمًا نتج عنها 115 مجموعة بيانات موزّعة على المواد: 44 للأحياء و39 للكيمياء و32 للفيزياء. وقد أظهرت النتائج أنّ المشاركين في اختبار محو الأمّية حقّقوا متوسّطًا قدره 16.7 نقطة بانحراف معياري 4.59 من أصل 30 نقطة ممكنة. ومن اللافت أنّه لم يُعثر على أيّ آرتباط دالّ بين محو أمّية الذكاء الاصطناعي وتاريخ استخدامه (جميع قيم p بين 0.109 و1.00)، ولا بينه وبين تواتر رؤية فرص الاستخدام في الصفّ (p=0.151) أو في التحضير والمتابعة (p=0.947)، ولا بينه وبين العمر والجنس وسنوات الخدمة (جميع قيم p بين 0.333 و0.462). أي إنّ محو الأمّية العامّة بالذكاء الاصطناعي لا صلة له بقرار استخدامه في السياق المدرسي.

وفي ما يتعلّق بأسباب استخدام الذكاء الاصطناعي، تبيّن أنّ «المتعة أو الاهتمام» به في الصفّ كان أكثر الأسباب تكرارًا إذ ورد 47 مرّة، فيما كان أقلّها إدراكُ أنّ الذكاء الاصطناعي يُستخدم منهجًا بحثيًّا في التخصّص العلمي وبالتالي جزءًا من المادة، إذ ورد 17 مرّة. أمّا في التحضير والمتابعة فكان أشيع الأسباب توفير الوقت (63 مرّة) وأهمية مراعاة هذا التطوّر التقني الجديد (62 مرّة). وكان أكثر أسباب عدم استخدامه في الصفّ أنّ المعلّمين «لم يتعاملوا معه بعد» (34 مرّة)، وأكثر أسباب عدم استخدامه في التحضير آفتقار الوصول المجاني إلى أدواته (21 مرّة). وعلى صعيد مجالات الاستخدام، كان الذكاء الاصطناعي أكثر حضورًا في مجال البحث عن المعلومات وتقييمها (43 مرّة في الصفّ و53 في التحضير)، وأقلّها في اكتساب البيانات (7 في الصفّ و11 في التحضير). كما لعب دورًا في التقييم والتغذية الراجعة والتكيّف (41 مرّة) والعرض (31 مرّة) ضمن التحضير. وإجمالاً، استُخدم الذكاء الاصطناعي أقلّ بكثير في المجالات الأكثر تخصّصًا (بمتوسّط 15 إشارة) مقارنةً بالمجالات الأعمّ (بمتوسّط 28.8 إشارة).

أظهر التحليل أيضًا آرتباطًا دالًّا موجبًا بين تواتر رؤية فرص الاستخدام والاستخدام الفعلي (مثلاً r=0.45 وr=0.58 بقيمة p أقلّ من 0.001)، وأنّ المعلّمين الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي مدّةً أطول أكثر ميلاً إلى رؤية فرص لاستخدامه. وعلى مستوى المادة، صرّح 63% من البيانات باستخدامه حاليًّا في التحضير والمتابعة، مقابل 43% فقط في الصفّ. ولم يُعثر بوجه عام على آرتباطات دالّة بين المواد العلمية وجوانب الاستخدام (جميع قيم p بين 0.062 و1)، باستثناء بند «لم أستخدم الذكاء الاصطناعي في التحضير لعدم وجود صلة تخصّصية» (كرامر في=0.437، p فيشر أقلّ من 0.001) الذي أشير إليه أكثر ما أشير في الكيمياء (12 مرّة). وفي المقابلات، صرّح 12 معلّمًا فقط من 21 بأنّهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الصفّ، وكان أكثر الاستخدامات «إجراء بحث من الطلبة» بمساعدته (7 استجابات). وأشار المعلّمون إلى فرص التكيّف (8) وإنشاء المواد التعليمية (7) والتخطيط للدروس (5)، وإلى عوائق كضعف جودة المخرجات والقلق من تراجع الانخراط المعرفي للطلبة (9 لكلٍّ منهما) وآفتقار الكفايات لدى المعلّمين والتكلفة (7 لكلٍّ منهما).

خلص الباحثون في مناقشتهم إلى أنّ النتائج تُشير بوضوح إلى الحاجة إلى تأهيل لاحق مرتبط بالذكاء الاصطناعي. فالفارق في الاستخدام بين المجالات التخصّصية والمجالات العامّة يدلّ على محدودية معرفة المعلّمين بكيفية توظيفه في السياقات التخصّصية، ما يقتضي برامج تستند إلى إطار DiKoLAN المُكيَّف للذكاء الاصطناعي. كما أنّ أهمية الذكاء الاصطناعي في العلوم الطبيعية نادرًا ما تُذكر سببًا لتدريسه موضوعًا، ما يُفترَض معه نقصٌ في المعرفة بدلالته العلمية وتطبيقاته. وقد صنّف الباحثون محو الأمّية المقيس بوصفه معرفةً تقنيّةً ومعرفةً تربويّةً تقنيّةً بالذكاء الاصطناعي بسبب تركيزه التقني والاجتماعي وآفتقاره إلى التوجّه التخصّصي. وعزوا غياب الآرتباط بين محو الأمّية العامّة والاستخدام إلى ثلاثة عوامل متشابكة: محدودية الدمج التربوي للذكاء الاصطناعي في السياقات التخصّصية، وعدم كفاية التطوير المهني المُسيَّق لمعلّمي العلوم، وتقييد الوصول إلى البنية التحتية الملائمة في المدارس.

واقترحت الدراسة مسارين لتطوير المعرفة التربوية التقنية للمحتوى بالذكاء الاصطناعي لدى المعلّمين العاملين: المسار الأوّل يُثري المعرفة التربوية بالمحتوى بمعرفة تقنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لتمكين المعلّم من توظيفه أداةً للتحضير والمتابعة والدعم الفردي للمتعلّمين؛ والمسار الثاني يزوّد معلّمي العلوم بمعرفة دور الذكاء الاصطناعي في المواد التي يُدرّسونها لتوظيفه موضوعًا للتعلّم يمنح التلاميذ نظرةً إلى العلوم الحديثة المدفوعة به. وأشار الباحثون إلى محدوديّات نموذج TPACK إزاء الذكاء الاصطناعي التوليدي وضرورة توسيعه ليشمل الجوانب السوسيوثقافية والأخلاقية على غرار نموذج DPACK. وأقرّت الدراسة بمحدوديّاتها، ومنها احتمال تحيّز الاختيار الذاتي لصالح المهتمّين بالذكاء الاصطناعي، وصغر حجم العيّنة الذي قد يُخفي آرتباطات، وعدم تزويد المعلّمين بتعريف موحّد للذكاء الاصطناعي أو وصف لمجالات استخدامه، وصعوبة المقارنة المباشرة مع بيانات هورنبرغر لاختلاف الدرجات القصوى وتكوين العيّنة (طلبة جامعيون أصغر سنًّا وأكثر تخصّصًا في المجالات الرياضية والتقنية). وتبقى الخلاصة أنّ برامج التأهيل اللاحق ينبغي أن تُركّز على محو أمّية الذكاء الاصطناعي المدرسي والتخصّصي وعلى إبراز فرص استخدام ملموسة ومحدّدة تخصّصيًّا في تدريس العلوم.

الدراسة (PDF)

تحميل / فتح الملف (PDF)

المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100376، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100376.

Scroll to Top