قبول التعلّم النقّال لدى المعلمين قبل الخدمة في الجنوب العالمي: مقاربة قائمة على نمذجة المعادلات البنائية باستخدام إطار TPACK

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من ملاحظة نقدية مفادها أن نماذج قبول التقنية ظلّت في معظمها مدفوعة بالإدراك (perception-driven) لا مبنيةً على الكفاءة (competence-based). وتتحدى هذه الدراسة ذلك النموذج عبر فحص الكيفية التي تشكّل بها “المعرفة التقنية البيداغوجية للمحتوى” (TPACK) لدى المعلمين قبل الخدمة قبولَهم للتعلّم النقّال (m-learning). وتستند إلى إطار TPACK إلى جانب نموذج قبول التقنية (TAM)، منطلقةً من أن انتشار الأجهزة النقّالة عالميًا (إذ يعيش 95% من السكان في مناطق مغطّاة بشبكات الهاتف المحمول، ويمتلك نحو 4.88 مليار شخص هواتف ذكية بحلول 2025) لا يُترجَم بالضرورة إلى دمج تربوي فعّال، لا سيّما في الجنوب العالمي حيث تقيّد الفوارق البنيوية في البنية التحتية الرقمية والاتصال والكفاءة الرقمية الاستخدامَ البيداغوجي المجدي للأجهزة النقّالة.
يمثّل المعلمون قبل الخدمة فئةً محورية في هذا التحول؛ فهم يختبرون التعلّم النقّال بوصفهم طلابًا، ويُتوقَّع منهم في الوقت ذاته دمج هذه التقنيات في ممارساتهم التعليمية المستقبلية. وتلاحظ الدراسة أن كثيرًا من الأبحاث السابقة بقي وصفيًا وحتميًا تقنيًا، متجاهلًا البنى المعرفية اللازمة للدمج البيداغوجي الفعّال، وأن هناك ندرة في الدراسات الكمية القائمة على النماذج التي تتقصّى العلاقات البنيوية بين مكوّنات TPACK في سياق التعلّم النقّال في إعداد المعلمين بالجنوب العالمي. وتذكّر الدراسة بأن نحو 15 مليار جهاز نقّال كانت نشطة في 2021 مع توقّع بلوغها 18.22 مليار جهاز بحلول 2025، وأن التقدّم في الذكاء الاصطناعي والواقع المعزّز وتقنيات التعلّم التكيّفي سيزيد من تخصيص التعليم، ما يجعل التعلّم النقّال مكوّنًا مركزيًا في بيداغوجيا المستقبل، غير أن مجرّد الوصول إلى الأجهزة في المناطق النامية، ومنها إفريقيا جنوب الصحراء، لا يُترجَم بالضرورة إلى دمج تعليمي مجدٍ. لسدّ هذه الفجوة، طوّرت الدراسة نموذجًا بنائيًا يدمج مكوّنات TPACK بوصفها متغيّرات خارجية سابقة في TAM، حيث تعمل مجالات المعرفة (المعرفة التقنية TK، والبيداغوجية PK، والمحتوى CK، والمركّبة TPACK) بوصفها متغيّرات خارجية، وتعمل بُنى TAM (سهولة الاستخدام المُدرَكة PEOU والنفع المُدرَك PU) بوصفها متغيّرات وسيطة، بينما يمثّل النية السلوكية (BI) المتغيّر الناتج، مؤسِّسةً مسارًا من “المعرفة ← الإدراك ← النية”.
اعتمدت الدراسة تصميمًا كميًا غير تجريبي مقطعيًا، وحُلّلت البيانات عبر نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية (PLS-SEM) باستخدام برنامج SmartPLS 4.0. وجُمعت البيانات عبر استبانة إلكترونية طوعية من 328 طالبًا من معلّمي السنة الثانية في بكالوريوس التربية بإحدى جامعات جنوب إفريقيا، وبعد تنقية البيانات احتُفِظ بـ292 حالة صالحة تجاوزت الحد الأدنى الموصى به وفق قاعدة “العشرة أضعاف” وتحليل القوة القَبْلي. وضمّت العيّنة 179 مشاركة (63.1%) و113 مشاركًا (38.7%) بمتوسط عمر بلغ 21.6 عامًا. واشتملت الأداة على 49 بندًا على مقياس ليكرت الخماسي، اقتُبست بُنى TAM من ديفيس وفينكاتيش، فيما اقتُبست بُنى TPACK من شميدت وزملائه، وخضعت لمراجعة الخبراء للتحقق من الملاءمة والوضوح.
اتّبع التحليل إجراءً من مرحلتين وفق Hair وزملائه: تقييم نموذج القياس أولًا للتأكد من جودة البُنى (موثوقية المؤشرات، والاتساق الداخلي، والصدق التقاربي والتمييزي)، ثم تقييم النموذج البنائي عبر تقدير معاملات المسار واختبار معنويتها بإجراء الإقلاع (bootstrapping) بـ5000 عيّنة فرعية. وتجاوزت جميع المؤشرات تقريبًا عتبة التحميل 0.70، باستثناء البند PEOU3 (0.679) الذي احتُفِظ به لأن حذفه كان سيقلّص التغطية المحتوائية لبُنية سهولة الاستخدام. وتجاوزت قيم ألفا كرونباخ والموثوقية المركّبة عتبة 0.70، وتخطّت جميع قيم متوسط التباين المستخلَص (AVE) عتبة 0.50، فيما أكّد معيار فورنيل-لاركر ونسبة HTMT (دون عتبة 0.85) الصدق التمييزي، وأظهرت قيم Q² الأكبر من الصفر ملاءمة تنبّؤية قوية.
أظهر النموذج قدرة تفسيرية عالية لـTPACK، إذ فسّر 63.5% من تباينها (R² = 0.635)، وهو مستوى يفوق ما تورده الدراسات السابقة عادةً. كما فسّر النموذج 22.8% من تباين سهولة الاستخدام المُدرَكة (PEOU)، و44.3% من النفع المُدرَك (PU)، و44.8% من النية السلوكية (BI). ومن بين خمس عشرة علاقة مفترَضة، حظيت اثنتا عشرة علاقة بالدعم الإحصائي. وكانت النتيجة الأبرز أن المعرفة البيداغوجية (PK) هي أقوى متنبّئ بـTPACK (β = 0.724، p < 0.001)، ما يؤكّد أن قدرة المعلمين قبل الخدمة على التخطيط للتعلّم النقّال وإدارته وتقويمه هي الأساس الأول لدمج الأجهزة النقّالة في التعليم.
وبيّنت النتائج أن كلًّا من المعرفة التقنية البيداغوجية (TPK: β = 0.530) والمعرفة التقنية (TK: β = 0.529) تنبّأ بدلالة قوية بـTPACK، وهو ما يتحدى دراسات سابقة رأت أن الأثر المباشر للمعرفة التقنية في TPACK محدود، ويوحي بأن تطوير TPACK النقّال موجَّه نحو التصميم لا نحو الأداة. وعلى نحو مخالف للتوقعات، لم تتنبأ المعرفة البيداغوجية للمحتوى (PCK) بدلالة معنوية بـTPACK (β = 0.151، p = 0.065)، ما يشير إلى أن إتقان البيداغوجيا الخاصة بالمادة لا ينتقل تلقائيًا إلى كفاءة تبنّي التعلّم النقّال، الذي يعتمد غالبًا على منصّات عامة (كتطبيقات المراسلة وأنظمة إدارة التعلّم) لا تطبيقات متخصصة بالمادة. في المقابل، تنبّأت معرفة المحتوى (CK) بدلالة معنوية بـPCK (β = 0.149، p = 0.004)، مؤكّدةً البنية المعرفية الهرمية المتوقّعة.
على صعيد قبول التعلّم النقّال، تنبّأ TPACK بدلالة معنوية بكل من سهولة الاستخدام المُدرَكة (β = 0.482، p < 0.001) والنفع المُدرَك (β = 0.165، p = 0.001)، ما يربط تجريبيًا معرفة المعلمين المتكاملة بمحدِّدات القبول الأساسية. ويشير الأثر الأقوى على سهولة الاستخدام إلى أن الكفاءة البيداغوجية-التقنية تقلّل الجهد المعرفي واللوجستي والتعليمي المرتبط باستخدام الأجهزة النقّالة، وهو أمر مهم في سياق إفريقيا جنوب الصحراء حيث تتكرر هواجس إدارة الأجهزة والاتصال وضبط الصف. وتنبّأ كل من النفع المُدرَك (β = 0.267) وسهولة الاستخدام (β = 0.211) بالنية السلوكية. والأهم أن TPACK مارس أثرًا مباشرًا قويًا على النية السلوكية (β = 0.336، p < 0.001) فاق أثر كل من النفع وسهولة الاستخدام، ما يدعم "نموذجًا تقوده الكفاءة" لتبنّي التعلّم النقّال.
يستند الإطار المفاهيمي إلى تكامل TPACK وTAM عبر مسار “المعرفة ← الإدراك ← النية”؛ فإطار TPACK، المتجذّر في مفهوم شولمان عن المعرفة البيداغوجية للمحتوى، يُنظِّر معرفة المعلّم المهنية بوصفها تفاعلًا ديناميكيًا بين معرفة المحتوى (CK) والمعرفة البيداغوجية (PK) والمعرفة التقنية (TK) وتقاطعاتها (PCK وTCK وTPK وTPACK)، ويعمل في إعداد المعلمين أداةً تشخيصية وتطويرية معًا. أما TAM فيكمّله بتفسير سبب اختيار الأفراد استخدام التقنية، إذ يفترض أن سهولة الاستخدام المُدرَكة والنفع المُدرَك محدِّدان رئيسان للنية السلوكية. وتحاجّ الدراسة بأن TAM، رغم متانته عبر دراسات التعلّم النقّال، انتُقد بمحدودية حسّاسيته للسياق التربوي والمؤسسي والاجتماعي-الثقافي، وهو قصور يبرز في إعداد المعلمين حيث تُستخدم التقنيات النقّالة لا بوصفها أدوات تعلّم فحسب بل موارد تتطلب محاذاةً بيداغوجية، ومن ثمّ أُدرجت مكوّنات TPACK بوصفها سوابق نظرية لبُنى TAM.
وتضع الدراسة نتائجها في سياق تناقضات الأدبيات السابقة حول العلاقات بين مجالات المعرفة؛ فبعض الدراسات وجدت المعرفة التقنية أقوى متنبّئ بـTPACK لدى المعلمين قبل الخدمة، بينما وجدتها أخرى محدودة الأثر المباشر مؤكّدةً دور الدمج السياقي وتصميم التدريس، فيما رأت دراسات ثالثة أن معرفة المحتوى والمعرفة البيداغوجية أكبر أثرًا من المعرفة التقنية. وقد عزت التحليلات البُعدية هذه التناقضات إلى تباينات ثقافية وسياقية ومنهجية، وهو ما تؤكّده هذه الدراسة إذ تبيّن أن أثر مجالات TPACK في تبنّي التعلّم النقّال مرهون بالسياق، ما يبرز المركزية البيداغوجية على حساب النموذج الخطّي التراكمي. كما تلاحظ أن انتفاء أثر PCK في TPACK يوحي بأن كفاءة التعلّم النقّال قد تتطور عبر ممارسات نقّالة عابرة للتخصصات تُعلي المرونة والتواصل وانخراط المتعلّم على الاستراتيجيات البيداغوجية الخاصة بالمادة.
تخلص الدراسة إلى ثلاث مساهمات نظرية: أولًا، أن تطور TPACK مرتكز بيداغوجيًا لا مشتقّ من المحتوى، ما يتحدى نماذج التقدّم الخطّي؛ وثانيًا، أن قبول التعلّم النقّال تقوده الكفاءة لا الإدراك؛ وثالثًا، أن تبنّي التقنية عملية معرفية (epistemic) لا نفسية محضة، إذ يتبنّى المعلمون الأدوات حين يمتلكون استراتيجيات بيداغوجية جاهزة للتصميم لا حين تبدو مريحة فحسب. وعمليًا، توصي الدراسة بأن يتصدّر التصميمُ البيداغوجي برامجَ التطوير المهني، وأن يبدأ التدريب بمبادئ الدمج البيداغوجي العامة قبل التطبيقات الخاصة بالمواد، وأن تُوظَّف نتائجها في تصميم المناهج لدى برامج إعداد المعلمين والمدارس والباحثين على حد سواء. أما حدود الدراسة فتشمل الاعتماد على بيانات تقرير ذاتي قد تُدخِل تحيّز الطريقة الشائعة، وتفسير 22.8% فقط من تباين سهولة الاستخدام (ما يوحي بوجود متنبئات إضافية كالقلق التقني أو الدعم المؤسسي)، واستبعاد عوامل الفروق الفردية كالجنس والخبرة السابقة تفاديًا لإرهاق المشاركين. وتدعو إلى تصاميم طولية ومختلطة ودراسات مقارنة عبر السياقات للتحقق من قابلية تعميم مسار التبنّي المدفوع بالكفاءة، بما يشمل بيئات التعلّم بوساطة الذكاء الاصطناعي.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100373، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100373.