مراجعة منهجية لأبحاث انخراط الطلاب في منصّات التعلّم التكيّفي

خلاصة الدراسة
تنطلق هذه المراجعة المنهجية من ملاحظةٍ مفادها أنّ منصّات التعلّم التكيّفي تُظهر تطوّراتٍ واعدة لقدرتها على تخصيص خبرات التعلّم وتحسين نواتجه، غير أنّ ما تنطوي عليه من احتمال تقليص التفاعل الإنسانيّ يثير سؤالًا جوهريًا عمّا يجعل هذه الأداة جاذبةً ومحفّزةً لانخراط الطلاب عبر المستويات التعليمية المختلفة. ومن ثمّ يهدف البحث إلى فحص العوامل التي تؤثّر في انخراط الطلاب داخل منصّات التعلّم التكيّفي، وإلى تحديد أنواع الانخراط الأكثر والأقلّ تناوُلًا في أدبيّات هذا الحقل، سادًّا بذلك فجوةً بحثية لم تُعالَج من قبل بمراجعة منهجية تركّز تحديدًا على الانخراط في هذه المنصّات دون سواها.
ويستند الإطار النظري إلى نموذجٍ مركَّب يجمع بين تصوّر فريدريكس وزملائه (Fredricks et al.) للانخراط بأبعاده الثلاثة – السلوكيّ والعاطفيّ (الوجدانيّ) والمعرفيّ – وامتداد ريف وتسينغ (Reeve and Tseng) الذي أضاف بُعدًا رابعًا هو الانخراط الفاعل (Agentic engagement). وقد عرّف الباحثون الانخراط السلوكيّ بأنّه الأفعال القابلة للملاحظة التي تُظهر مشاركةً نشطة في أنشطة التعلّم، والانخراط الوجدانيّ بأنّه ردود الفعل العاطفية تجاه التعلّم من اتّجاهات واهتمامات ودافعية وثقة ومثابرة، والانخراط المعرفيّ بأنّه توظيف استراتيجيات التعلّم المعقّدة والتنظيم الذاتيّ ومعالجة المعلومات العميقة، والانخراط الفاعل بأنّه إسهام الطالب البنّاء في مجرى التعليم الذي يتلقّاه، كالسعي إلى طلب المساعدة والتعبير عن التفضيلات لتحسين تجربته. وقد وظّف البحث هذا التصنيف الرباعيّ إطارًا لعرض نتائجه.
أمّا المنهجية فقد اتُّبعت فيها خطوات المراجعة المنهجية الخمس المفصَّلة في دليل What Works Clearinghouse الصادر عن معهد العلوم التربوية بوزارة التعليم الأمريكية، مع الالتزام بإرشادات PRISMA المحدَّثة وتسجيلٍ مسبق للبروتوكول في مستودع إلكترونيّ. وأُجري بحثٌ منهجيّ في ديسمبر 2022 عبر ستّ قواعد بيانات إلكترونية هي: ERIC وEBSCOhost (Education Full Text) وAPA PsycInfo وAPA PsycArticles وWeb of Science وIEEE Xplore، باستخدام الكلمتين المفتاحيّتين “adaptive learning” و”student engagement”، ضمن إطارٍ زمنيّ يمتدّ عشر سنوات (2012–2022). وقد جرى فرزٌ أوّليّ لـ9804 مقالات، أفضى إلى 158 مقالًا، ثم بعد إزالة المكرّرات عبر برنامج Mendeley وتقييم النصوص الكاملة للأهلية، استُبعد 98 مقالًا لأسبابٍ محدَّدة (كعدم تخصّصها في منصّة تعلّم تكيّفيّ، أو عدم تركيزها على الانخراط، أو كونها غير تجريبية أو متدنّية الجودة)، لتُستبقى أربع وأربعون دراسة للتحليل.
واعتمد تحليل البيانات مقاربةً هجينة من التحليل الموضوعيّ تجمع بين الترميز الاستقرائيّ (المفتوح حتى بلوغ التشبّع) والترميز الاستنباطيّ، إذ استُعير من نموذج نجاح نُظم المعلومات (Information Systems Success Model) عاملا “جودة النظام” و”جودة المعلومات”. ولمعالجة السؤال الثاني، طُوِّر مخطَّط ترميزٍ لأنواع الانخراط، ورمّز باحثان بصورةٍ مستقلّة مع فحص معامل كابا لكوهين لموثوقية التقدير بين المصحّحين، حتى بلغ الاتّفاق على تصنيف الانخراط الفاعل توافقًا كاملًا (100%) في الجولة الثانية. كما استُخدمت أداة تقييم المناهج المختلطة (MMAT) لتقويم جودة الدراسات الأربع والأربعين، التي توزّعت على دراسةٍ نوعية واحدة، وثماني تجارب معشّاة مضبوطة (RCT)، واثنتي عشرة دراسة غير معشّاة، وثماني دراسات وصفية، وخمس عشرة دراسة مختلطة المناهج.
وعلى صعيد النتائج الوصفية، بلغ إجمالي المشاركين في الدراسات المضمَّنة 42,201 مشاركًا (منهم 42,174 طالبًا و27 معلّمًا)، وأُجري معظمها في الولايات المتّحدة الأمريكية وفي التعليم العالي (29 دراسة)، مع بلوغ النشر ذروته عام 2020 (15 دراسة) بعد أن كان دراستين فحسب عام 2019، وهو ما ربطته الدراسة بجائحة كوفيد-19 التي دفعت إلى الاعتماد على التقنيات الرقمية لضمان استمرارية التعلّم. وقد انبثقت أربعة موضوعات كبرى تمثّل العوامل المؤثّرة في الانخراط، اثنان منها مستمَدّان من نموذج نجاح نُظم المعلومات هما جودة النظام وجودة المعلومات، واثنان مستقرَآن هما خصائص المتعلّمين وتفضيلاتهم، والقدرات التي تحاكي التفاعلات الاجتماعية الواقعية.
وتحت جودة النظام أبرزت المراجعة أنّ التكيّفية والإتاحة والتلعيب والبنية والتصميم والحداثة تعزّز الانخراط، إذ يزداد الانخراط حين تُفصَّل الأنشطة على المقاس بحسب حاجات المتعلّم وحالته الانفعالية، وحين تتوفّر تقارير التقدّم والرسوم البيانية التي يتابعها الطالب بنفسه. وتحت جودة المعلومات تبيّن أنّ إيجاز المحتوى وملاءمته وتنوّعه وتدرّج صعوبة الاختبارات وتوفّر الأسئلة التفاعلية والوسائط المتعدّدة (كالسرود البصرية في منصّة VisEN، وصيغة السحب والإفلات في منصّة Smart Sparrow، وأسئلة الاختيار من متعدّد في منصّة Osmosis) تسهم في الانخراط. وتحت خصائص المتعلّمين وتفضيلاتهم ظهر أثر التعلّم الموجَّه ذاتيًا والمتغيّرات الاجتماعية–الديموغرافية كالطموح التعليميّ وتعليم الوالدَين والجنس والعمر، مع نتائج مختلطة بشأن الفروق بين الجنسين. وتحت القدرات المحاكية للتفاعلات الاجتماعية برز دور الرفقاء التعلّميّين الوجدانيّين والروبوتات القرينة التبادلية والتغذية الراجعة الفورية والتعزيز الإيجابيّ و”أثر زميل الفريق” في تعزيز الانخراط.
وفي ما يخصّ السؤال الثاني، تبيّن أنّ الانخراط السلوكيّ هو الأكثر تناوُلًا في الأدبيّات (وردت مؤشّراته في نحو 35 و29 مقالًا حسب المصحّحَين)، يليه الانخراط الوجدانيّ (27 و25)، ثم المعرفيّ (19 و17)، وأخيرًا الفاعل الذي كان الأقلّ حضورًا (6 و3 مقالات فقط). وتُرجع الدراسة الإغفال النسبيّ للانخراط الفاعل إلى أنّ تصوّر ريف وتسينغ يربط الفاعلية أساسًا بالتفاعل مع المعلّم، وهو ما تقلّصه منصّات التعلّم التكيّفي بطبيعتها، ما يستدعي إطارًا موسَّعًا ومنقَّحًا للانخراط يلائم التفاعل بين الإنسان والحاسوب. كما تناولت المراجعة عوامل عدم الانخراط، مثل تعقيد الواجهة والمشكلات التقنية والمحتوى غير الملائم، و”أثر الحداثة” (Novelty effect) الذي يتراجع معه الانخراط بمرور الوقت كما لوحظ في منصّتَي ALEKS وW-Pal.
وقد أفضى تقويم الجودة بأداة MMAT إلى صورةٍ متباينة عن متانة الأدلّة؛ فالدراسات النوعية استوفت في الغالب معايير ملاءمة المقاربة (15 من 16، 94%) واشتقاق النتائج من البيانات (14 من 16، 88%)، لكنّ أساليب جمع البيانات النوعية لم تكن دائمًا كافية للإجابة عن سؤال البحث (نُسِب الوصف “لا” إلى 4 من 16، 25%). أمّا التجارب المعشّاة المضبوطة فأبلغت عن تعشيةٍ مناسبة وقابليةٍ للمقارنة عند خطّ الأساس (10 من 11، 91%)، في حين قلّ تعمية مقيِّم النواتج (4 من 11، 36%). وشاع في الدراسات غير المعشّاة ضبط العوامل المربِكة (13 من 19، 68%)، غير أنّ تمثيلية المجتمع المستهدَف كانت الأصعب تحقّقًا (10 من 19، 53%). وأظهرت الدراسات الوصفية استراتيجيات معاينة وقياساتٍ ملائمة (12 من 13، 92%) مع مخاطر تحيّز عدم الاستجابة في بعضها، بينما بيّنت أوراق المناهج المختلطة تكاملًا معتدلًا بين مكوّناتها (11 من 15، 73%). وخلص التقويم إلى أنّ متانة الأدلّة تعزّزها كفاية القياس واكتمال البيانات والنواتج، وتحدّ منها قلّة التمثيلية في الدراسات غير المعشّاة وضعف الإبلاغ عن تعمية المقيِّمين والتكامل المتواضع بين الشقّين الكمّي والنوعي.
وفسّرت الدراسة كثيرًا من نتائجها في ضوء نظرية تقرير المصير (Self-determination theory)، مبيّنةً أنّ التعزيز الإيجابيّ و”أثر زميل الفريق” الناجمَين عن الرفقاء التعلّميّين الوجدانيّين يؤكّدان الكفاءة ويوصلان الشعور بالانتماء ويدعمان الاستقلالية، وهي حاجاتٌ نفسية أساسية حاسمة للدافعية والانخراط. كما استندت إلى نظرية ملاءمة المرحلة–البيئة (Stage-environment fit) في تفسير ارتفاع الدافعية لدى طلبة المستويات الأعلى في ظروف الاختبار التكيّفيّ، ورجّحت أنّ الطلاب مع تقدّمهم في العمر قد يقدّرون الاستقلالية والحداثة التي تجلبها التقنية التكيّفية تقديرًا يزيد انخراطهم. وأبرزت أنّ معرفة الحالات الوجدانية للطلاب أفادت معلّمي ذوي الإعاقات الذهنية على نحوٍ خاصّ، وأنّ تطوير آليّات كشفٍ آليّ للانفعالات في المنصّات التكيّفية قد يكون خطوةً نافعة لإبقاء المعلّمين على اطّلاعٍ بحالة طلابهم. ونبّهت في المقابل إلى الجانب السلبيّ المتمثّل في تراجع الانخراط عبر الزمن بفعل “أثر الحداثة” واعتماد بعض الطلاب على المساعدة في اللقاءات المباشرة بدل خصائص النظام، ما يستدعي دراساتٍ طولية تكشف أسباب هذا التراجع وسُبل استدامة الدافعية بعد انقضاء فترة الاستكشاف.
وتخلص الدراسة إلى أنّ الموضوعات الأربعة تتفاعل مجتمعةً في التأثير على الانخراط، وأنّ التصوّرات عن جودة المحتوى والمهامّ، وملاءمة الأداة للمتعلّمين، وقدرات التفاعل الاجتماعيّ، تتوقّف جميعها على تصميم النظام. ومن ثمّ توصي بأن تستثمر المدارس والجامعات في منصّاتٍ تكيّفية تناسب حاجات طلبتها، وأن يُوجَّه الطلاب جيّدًا إلى خصائصها، وأن تُمنَح لهم أدوات لتخصيص بيئة تعلّمهم والتعبير عن تفضيلاتهم (كزرّ طلب المساعدة) دعمًا لانخراطهم الفاعل، مع تحقيق توازنٍ دقيق بين البنية والمرونة، وإدماج الرفقاء التعلّميّين الوجدانيّين لتخفيف عزلة التعلّم الإلكترونيّ. وتُبرز أهمّية العمل في تقديمه تركيبًا منظَّمًا يربط أنواع الانخراط بعوامله، ودعوته إلى بحوثٍ طولية متعدّدة المقاييس ومتعدّدة الوسائط، وإلى تحسين ممارسات الإبلاغ عن الخصائص السيكومترية لأدوات القياس، مع الإقرار بمحدوديات مثل استبعاد الأدبيّات الرمادية وغير الإنجليزية وقصر مصطلحات البحث على “التعلّم التكيّفيّ” و”انخراط الطلاب”.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100360، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100360.