من النص على الورق إلى الشعر الرقمي: الإبداع وممارسات القراءة الأدبية الرقمية في تعليم المعلمين الأولي

خلاصة الورقة
تنطلق هذه الدراسة، التي أعدها الباحثان الإسبانيان مويسيس سيلفا ساستر وإنريك فالغيرا جارسيا من قسم التعليم النوعي بجامعة ليدا في إسبانيا، ونشرت في مجلة "فرونتيرز في علم النفس" في السابع عشر من يونيو 2022 ضمن قسم علم النفس التربوي، من إشكالية مركزية تتصل بالتحول العميق الذي أحدثه الوسيط الرقمي في مفهوم القراءة الأدبية وتعليمها؛ إذ يتساءل الباحثان: كيف يفهم القارئ الأدب ويتمثله من داخل بيئة تكنولوجية بارزة؟ وهل طرأت تغييرات جوهرية، موروثة من الثقافة المكتوبة، على طريقة الارتباط بالنص الأدبي بعد انتقاله من الورق إلى الشاشة؟ وتتخصص هذه الإشكالية العامة في حقل إعداد المعلمين تحديدًا، حيث يصبح السؤال: كيف يمكن لمعلمي المستقبل، في مرحلة تدريبهم الأولي، أن يمارسوا وساطة قراءة أدبية رقمية عبر إنشاء قصائد سيبرانية موجهة إلى تلاميذ المرحلة الأولى من التعليم الابتدائي ممن تتراوح أعمارهم بين ست سنوات وثماني سنوات؟ ويحدد الباحثان لعملهما غرضًا مزدوجًا: من ناحية أولى، التفكير فيما تستلزمه القراءة الأدبية في التنسيق الرقمي والتدرب على عمليات وساطة القراءة التي يمكن تنفيذها مع هذا النوع من الأدب، ومن ناحية ثانية، الشروع في الإنشاء الرقمي لقصائد سيبرانية يمكن تقديمها لاحقًا والعمل بها في سياق حقيقي داخل الفصول الدراسية بالمدرسة، بحيث يغدو إنشاء القصيدة الإلكترونية تمرينًا في الإبداع الأدبي يجمع بين إتقان اللغة الشعرية وأعرافها الأدبية من جهة، واستخدام التكنولوجيا وبرامج الإبداع الرقمي من جهة أخرى.
يؤسس الباحثان دراستهما على إطار نظري واسع يبدأ بتحديد مفهوم الأدب الرقمي بوصفه الأعمال الأدبية التي أنشئت خصيصًا للتنسيق الرقمي ولا يمكن أن توجد خارجه؛ فليس الأدب الرقمي هو ما يوجد في المكتبة الافتراضية، ولا السرد الخطي الذي نقل إلى الإنترنت مع إمكان تقديمه في شكل كتاب، وإنما يتحدد بتفاعل القارئ مع النص الأدبي بناء على الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا. ويرصد الإطار النظري تحولات العلاقة التقليدية بين أضلاع المثلث التواصلي المؤلف والقارئ والناشر، حيث يقترب دور الناشر من التلاشي وتتاح صلة متزامنة ومتبادلة بين المؤلف وقارئه، كما يستدعي الباحثان مقاربات باختين لتعدد الأصوات الجمالي للحديث عن تعدد الألحان أساسًا للنصوص الأدبية الرقمية، ومفهوم "القراءة الكتابة" الذي يجعل القارئ منتجًا لنصوصه في وقت واحد تقريبًا مع استقبالها، فيتحول القراء إلى مبدعين تجريبيين. وفي سياق تجنيس الشعر الرقمي، يعرض الباحثان تسمية "الشعر السيبراني" بوصفه شكلًا من الأدب السيبراني تهيمن فيه الوظيفة الجمالية للغة، ويرجعان جمالياته إلى ميراث الطلائع التاريخية وطلائع النصف الثاني من القرن العشرين، كالحروفية التي أسسها إيزيدور إيزو في باريس والشعر الملموس والشعر المفاهيمي ومفهوم التحوير الموقفي للرسائل الاجتماعية، كما يستعيدان تصنيف روميرو لوبيز الذي ميز بين الأدب التشعبي والأدب الذي يتناغم فيه النص والصورة والأدب الصدفي القائم على عدم القدرة على التنبؤ، ثم يقترحان تصنيفًا تقنيًا للشعر السيبراني في ثلاثة أنواع: الشعر التشعبي المرتبط بمواقع ومستندات أخرى، والشعر الحركي أو المتحرك الذي تنقل فيه كلمات النص أو تعدل تدريجيًا بتفاعل المستخدم أو تلقائيًا، والشعر المجسم ثلاثي الأبعاد الذي تنتظم فيه القصيدة انتظامًا غير خطي في فضاء غير مادي. ويحدد الباحثان للشعر السيبراني ثلاث خصائص جوهرية: التجريب الباحث عن حدود فن الأدب، والتجميع في بيئات رقمية يمكن لجمهور غير محدود الوصول إليها، والإبداع المشترك الذي يلتقي فيه الكاتب والمصمم وفنيو الوسائط في عمل واحد.
وعلى مستوى التصميم المنهجي، اختار الباحثان البحث النوعي الوصفي الذي يتيح الحصول على البيانات من المعاني التي تنقلها كل ممارسة رقمية، وطبقا دراستهما ضمن مقرر "تعليم اللغة والأدب 2" في السنة الثالثة من الدرجة المزدوجة في تعليم الطفولة المبكرة والتعليم الابتدائي بكلية التربية في جامعة ليدا. وقد شارك في البحث ثلاثون طالبًا معلمًا عملوا في مجموعات من خمسة أشخاص، بعد أن تلقوا تدريبًا نظريًا وعمليًا حول ماهية الأدب الرقمي وخصائصه وأنواع الشعر السيبراني، وهم مواطنون رقميون على دراية بأدوات إنشاء بيئات القراءة الافتراضية. وصمم المشاركون ممارساتهم باستخدام أداة جينيالي المتاحة عبر الإنترنت لإنشاء محتوى إبداعي تفاعلي متحرك، وهي أداة تقوم على مبادئ الرسوم المتحركة والتفاعل ودمج المحتوى من منصات مختلفة كاليوتيوب، وجرى جمع البيانات عبر عناوين المواقع التي يولدها التطبيق لكل إبداع رقمي تمهيدًا لتحليلها وفق ثلاث فئات: تعدد الوسائط، والنص الفائق أو التشعبي، والتفاعل. أما اختيار القصائد الأصلية المرشحة للرقمنة فقد خضع لمعيارين: أن يكون مؤلفوها معترفًا بهم في التقاليد الأدبية، وأن تكون قابلة للعمل بها في المدارس الكاتالونية طوال المرحلة الأولى من التعليم الابتدائي؛ ولذلك جاءت القصائد المختارة قصيرة، بأسطر شعرية لا تتجاوز غالبًا ثمانية مقاطع، قريبة من اللغة الشفهية وسهلة الحفظ والإلقاء، وتتناول موضوعات مألوفة لدى الأطفال كالحروف والأبجدية والأطعمة والحيوانات وعناصر الطبيعة من شمس ومطر وربيع.
وتكشف نتائج الدراسة عن غلبة واضحة للشعر الحركي على الممارسات المنشأة؛ فقصيدة "حساء الحروف" تعرض حروف الأبجدية وهي تتقلب حتى تتخذ وضعًا ثابتًا، وتتيح للقارئ تحريك الحروف والسطور لخلق كلمات جديدة، كما في تحول كلمة "جورب" إلى كلمة "نسر"، وقصيدة الحرف "فاء" يتحرك فيها الحرف الكبير المزين بخصائص الزهرة حركة بندولية تحاكي هز الريح للزهرة، وتسمح بنقل الكلمات المكتوبة بالأحرف الكبيرة ودمجها للحصول على قصيدة جديدة دون فقدان روح النص، وفي "أغنية الضفادع" يتصور القارئ حركة الأرقام المرتبطة بالمفهوم العددي، بينما تدعو قصيدة "الخبز والطماطم"، وهي عن فطور نموذجي في كتالونيا، القارئ إلى اختيار صورة أحد الطهاة الثلاثة ثم ملء الكلمات المفقودة في الأبيات بصور ظاهرة أو مخبأة في خزائن المطبخ والثلاجة. ويتجلى تعدد الوسائط في الربط بين النص الرقمي وملفات صوتية وفيديوهات على يوتيوب، وفي الصور المتحركة الممثلة للكلمات المفتاحية، ككلمة "الجرح" التي تشفى بضمادة وكلمة "القبلة" التي تمثلها شفاه حمراء. أما النص الفائق فقد غلبت عليه الوظيفة الإعلامية، كالأيقونة التي تحيل إلى صفحة تعرف بالشاعر الكاتالوني ميكيل مارتي إي بول ونوع شعره، أو الروابط التي توسع معاني كلمات كالصيف والشمس. ولم يعثر الباحثان على مثال للقصيدة المجسمة في المدونة، وفسرا ذلك بأن الشعر ثلاثي الأبعاد يتطلب رؤية مكانية تناسب القراء البالغين أكثر من الأطفال. وقد قومت الممارسات بنموذج تقييم قدم للطلاب قبل بدء المشروع، يجمع بين معايير الفئات الثلاث ودرجات جودتها. ويقر الباحثان بحدود ثلاثة لعملهما: اقتصار العينة على نصوص باللغة الكاتالونية، وارتباط الممارسات بأعمار مبكرة جعل بعض المقترحات مسطحة، وتركيزها على الفهم القرائي أكثر من التفصيل الكتابي لرسائل جديدة.
تكمن الأهمية العلمية لهذه الدراسة في نقلها بؤرة الاهتمام من مبدعي الأدب الرقمي وشعراء جيل الألفية الذين توصف نصوصهم في منصات النشر الشبكي، إلى وسطاء القراءة الأدبية أنفسهم، أي المعلمين في تدريبهم الأولي، الذين يطبقون عملية الرقمنة على نص لمؤلف آخر كي يتمكن تلاميذهم من اللعب والتفاعل والتجريب معه دون تغيير رسالته؛ وبذلك تقدم نموذجًا عمليًا قابلًا للمحاكاة في برامج إعداد المعلمين العربية والأجنبية على السواء، يربط تنمية الكفاءة الأدبية بتنمية الكفاءة الرقمية في مسار واحد. كما تسهم الدراسة في ضبط المفاهيم المتداولة في حقل ما يزال مضطرب المصطلح، إذ تميز بدقة بين النشر الإلكتروني للقصيدة وبين الشعر الرقمي القائم على التفاعل، وتؤكد أن إنشاء القصائد السيبرانية تمرين في الإبداع الأدبي يجب أن يأخذ في الاعتبار البعد الرقمي للنص الأدبي وفهمه المقروء في بيئة متعددة الوسائط. وتجدر الإشارة إلى أن النسخة العربية المتاحة من هذا البحث ترجمة آلية أنجزت عبر منصة الترجمة الإلكترونية أونلاين دوك ترانسليتور، وهو ما يفسر بعض ما يعتريها من اضطراب أسلوبي في مواضع متفرقة، غير أن قيمتها تظل قائمة في تعريف القارئ العربي بواحدة من الدراسات التجريبية المحكمة حول توظيف الشعر الرقمي في التربية، وقد مول البحث من وكالة إدارة المنح الجامعية والبحثية الكاتالونية، وحررته ماريا إيزابيل دي فيسينتي ياجوي خارا من جامعة مورسيا وراجعه باحثون من جامعات ملقة وألميريا والجامعة الأمريكية الدولية في بنغلاديش، وهو ما يعكس مسارًا تحكيميًا دوليًا يعزز موثوقية نتائجه.
الورقة (PDF)
المصدر: Selfa Sastre M and Falguera Garcia E (2022) From Text on Paper to Digital Poetry: Creativity and Digital Literary Reading Practices in Initial Teacher Education. Front. Psychol. 13:882898. doi: 10.3389/fpsyg.2022.882898 — ترجمة آلية عبر منصة onlinedoctranslator.com