دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي: مقاربة من منظور نظرية التعلم البنائية

خلاصة الدراسة
تعالج هذه الدراسة إشكالية دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في مؤسسات التعليم العالي من منظور دولة نامية، متخذة من بنغلاديش حالة تطبيقية. فمع الانتشار السريع والواسع لهذه التقنية بين الطلاب والمعلمين في العالم، ومع تبنّيها المتزايد بين مستخدمي الإنترنت وطلاب الجامعات البنغلاديشية، لم تُطرح حتى لحظة إجراء البحث أي سياسة وطنية أو مؤسسية توجّه الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات في الأكاديميا. وتواجه كثير من الجامعات تحديات كبرى تشمل ضعف البنية الرقمية، ومحدودية برامج تدريب أعضاء هيئة التدريس، والالتباس حول النزاهة الأكاديمية، وتباين التصورات بشأن الاستخدام الأخلاقي للتقنية، فضلاً عن عدم إدراك كثير من الأكاديميين لكيفية دمجها بفاعلية وإيجابية في عمليتَي التعليم والتعلم.
حددت الدراسة هدفين رئيسين: أولهما تحديد مواقف أساتذة الجامعات ومدى استخدامهم للذكاء الاصطناعي التوليدي في ممارساتهم التعليمية، وثانيهما استكشاف كيفية توظيف هذه التقنية في دعم خبرات تعلّم تعاونية قائمة على الاستقصاء ومتمركزة حول المتعلم. وقد أرست الدراسة أساسها النظري على نظرية التعلم البنائية (CLT) التي أسّسها جان بياجيه وطوّرها فيغوتسكي، والتي ترى أن المتعلمين يبنون فهمهم عبر دمج المعرفة الجديدة بمعتقداتهم وخبراتهم السابقة، مع تأكيد مبدأ السياق الاجتماعي في عملية التعلم. كما ناقشت الدراسة النظرية الاتصالية لسيمنز بوصفها إطاراً مكمّلاً يعترف بمركزية التقنية والشبكات في التعلم، مبيّنة أن النظريتين ليستا متعارضتين بل تتقاطعان في عناصر مثل استقلالية المتعلم والتعاون والتعلم القائم على الاستقصاء.
لتفعيل هذا الأساس النظري، تبنّت الدراسة إطار البُعد الشخصي-الاجتماعي-البيئي-الثقافي (P-S-E-C) لاختبار نموذج مفاهيمي يضم ستة متغيرات سابقة يُفترض تأثيرها في الموقف تجاه استخدام الذكاء التوليدي، الذي يؤثر بدوره في مدى الاستخدام. ويشمل البُعد الشخصي الخصائص الفردية كالعمر والجنس والمؤهلات وخبرة التدريس والدور الأكاديمي والكفاءة التقنية والموقف، فيما يعبّر البُعد الاجتماعي عن المعايير الذاتية أي التوقعات المُدرَكة من الزملاء والشبكات المهنية والثقافة المؤسسية، ويتناول البُعد البيئي الظروف المؤسسية والبنيوية كتوافر الموارد التقنية والدعم الإداري، بينما يعالج البُعد الثقافي مدى ملاءمة التقنية للمجالات الأكاديمية المختلفة. وصاغ الباحثون ست فرضيات: تأثير الكفاءة، والملاءمة التقنية الخاصة بالمجال المعرفي، والمعايير الذاتية، وأحكام الاستخدام التقني المؤسسية، وأحكام الاستخدام التقني الخاصة بالطلاب في الموقف تجاه الاستخدام، ثم تأثير هذا الموقف في مدى الاستخدام الفعلي. وترى الدراسة أن التقنية، بما فيها الذكاء التوليدي، تغدو أداة معرفية قوية حين تتوافق مع احتياجات المتعلمين وأهداف التخصص والنظم البيئية المؤسسية.
اعتمدت المنهجية أسلوب التثليث الذي جمع بين ثلاث مقاربات متكاملة: مراجعة أدبية لبناء الأساس المفاهيمي والنظري، وجمع بيانات كمي عبر مسح مقطعي منظّم لأعضاء هيئة التدريس، ورؤى نوعية من مجموعات النقاش المركّزة. وأُجريت الدراسة في أربع جامعات بنغلاديشية تمثّل فئات مؤسسية متنوعة هي جامعة شير-إي-بنغلا الزراعية، وجامعة شاهجلال للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة دكا بوصفها أكبر جامعة عامة، وجامعة نورث ساوث بوصفها أول جامعة خاصة في البلاد، اختيرت قصدياً لتمثيل القطاعين العام والخاص وتخصصات العلوم والزراعة والتعليم العام. وبتحديد مستوى ثقة 95 بالمئة وهامش خطأ 6 بالمئة لمجتمع بلغ 3423 عضو هيئة تدريس، حُدّد حجم عيّنة قدره 248 عضواً، غير أن الجهود أسفرت عن جمع 268 استجابة اعتُمد منها 255 استجابة صحيحة في مجموعة البيانات النهائية.
طُوّرت أداة البحث عبر مراجعة أدبية موسّعة، ثم عُرضت على باحثَين للتحقق من صدق المحتوى، وأُخضعت لتمرين فرز بطاقات من جولتين وفق إرشادات مور وبنباسات، حيث طُوّر 33 سؤالاً تمثّل سبعة بُنى. وفي الجولة الأولى بلغ عدد وضعيات العناصر 132 وُضع منها 128 عنصراً في فئاتها الصحيحة بنسبة إصابة إجمالية بلغت 96.97 بالمئة، ثم تحسّنت النسبة إلى 100 بالمئة في الجولة الثانية بعد تنقيح الأسئلة الإشكالية. وأُعدّت الاستبانة النهائية عبر منصة KoBoToolbox التي أتاحت الجمع الإلكتروني والورقي معاً، وأُجريت أربع مجموعات نقاش مركّزة في الجامعات الأربع ضمّت كل منها ستة أعضاء هيئة تدريس اختيروا بأسلوب طبقي لضمان تنوع النوع الاجتماعي، وسُجّلت النقاشات بموافقة المشاركين ونُقلت من البنغالية إلى الإنجليزية للتحليل الموضوعاتي عبر منصة napkin.ai.
حُلّلت البيانات باستخدام نمذجة المعادلات البنائية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية (PLS-SEM) عبر برنامج SmartPLS. وبيّنت الخصائص الديموغرافية أن نحو ثلثي المشاركين ذكور بنسبة 64 بالمئة (162 فرداً) وأن الإناث يمثّلن 36 بالمئة (93 فردة)، وأن أكثر من نصف المشاركين يحملون درجات دراسات عليا بنسبة 59.61 بالمئة، وأن 34.12 بالمئة أتمّوا دراسات الدكتوراه. وأظهر مجال التخصص أن 34.90 بالمئة من العلوم، و34.51 بالمئة من التجارة، و30.59 بالمئة من الآداب. وأفاد 68.24 بالمئة من المشاركين بتجريب فعلي للذكاء التوليدي في مهامهم الأكاديمية لأكثر من ستة أشهر، فيما استُخدمت التقنية أساساً للبحث عن المعلومات بنسبة 70.59 بالمئة، تلاها النشاط البحثي بنسبة 67.84 بالمئة، ثم المهام التدريسية بنسبة 57.73 بالمئة.
للتحقق من جودة البيانات، أُجري اختبار هارمان أحادي العامل للكشف عن تحيّز الطريقة المشتركة، فبيّن أن العامل الأساسي فسّر 28.30 بالمئة من التباين، وهي نسبة دون العتبة المقبولة البالغة 40 بالمئة، كما كانت قيم معامل تضخّم التباين لجميع العناصر أقل من 3 عدا عنصر واحد تجاوزها بقليل، ما يدل على غياب مشكلات التعدد الخطي. وأظهر نموذج القياس موثوقية وصدقاً قويين، إذ تراوحت قيم الموثوقية المركبة بين 0.733 و0.886، وتجاوزت قيم متوسط التباين المستخلص الحد الأدنى الموصى به البالغ 0.50، وزادت قيم ألفا كرونباخ وrho_a على 0.7، وتحقق الصدق التمييزي عبر معيار فورنيل-لاركر ونسبة HTMT التي ظلّت دون عتبة 0.90.
كشف النموذج البنيوي أنه فسّر 47.9 بالمئة من التباين في الموقف تجاه استخدام الذكاء التوليدي، و30.9 بالمئة في مدى الاستخدام. وكان المسار من الموقف إلى مدى الاستخدام موجباً ودالاً بقوة (β=0.556، t=10.439، p<0.001)، ما يعني أن الموقف الأكثر إيجابية يتنبأ بقوة بارتفاع الاستخدام. ومن بين مُنبّئات الموقف، أظهرت الملاءمة التقنية الخاصة بالمجال المعرفي الأثر الأقوى (β=0.413، t=6.561، p<0.001)، تلتها الكفاءة (β=0.261، t=4.217، p<0.001)، ثم أحكام الاستخدام التقني للطلاب (β=0.168، t=3.020، p=0.003). في المقابل، لم يكن للمعايير الذاتية ولا لأحكام الاستخدام التقني المؤسسية أثر دال، بمعاملَي مسار بلغا 0.092 (p=0.102) و0.030 (p=0.576) على التوالي، بما يدل على أن التأثير الاجتماعي والدعم المؤسسي وحدهما لا يكفيان لبناء مواقف إيجابية دون كفاءة فردية وملاءمة مُدرَكة. وبذلك دُعمت الفرضيات الأولى والثانية والخامسة والسادسة، فيما لم تُدعم الثالثة والرابعة.
أظهر تحليل الوساطة أن الموقف يتوسط بشكل دال العلاقات بين الكفاءة ومدى الاستخدام (β=0.145)، وبين أحكام استخدام الطلاب ومدى الاستخدام (β=0.094)، وبين الملاءمة الخاصة بالمجال ومدى الاستخدام (β=0.230)، بينما لم تكن الوساطة دالة في حالتَي المعايير الذاتية والأحكام المؤسسية. وأكد تحليل ما بعد المعاينة أن المتغيرات الضابطة كالعمر (β=-0.028) والجنس (β=0.064) والتعليم (β=-0.015) والدور الأكاديمي (β=-0.005) لم تُسهم إسهاماً دالاً في مدى الاستخدام، بما يعني أن العوامل الديموغرافية أقل قدرة على التنبؤ بتوظيف الذكاء التوليدي مقارنة بالموقع الأكاديمي والمسؤوليات المؤسسية. كما أظهرت أحجام الأثر (f²) أن للملاءمة الخاصة بالمجال (0.251) وللموقف تجاه الذكاء التوليدي (0.447) آثاراً قوية نسبياً، فيما أظهرت الكفاءة والأحكام الموجّهة للطلاب آثاراً معتدلة، وظلّت جميع قيم معامل تضخّم التباين دون العتبة البالغة 5. وعلى صعيد التحليل النوعي، أبرزت مجموعات النقاش قلق المعلمين العميق من الاستخدام التقني رغم إسهام أحكام استخدام الطلاب الإيجابي، وكشفت عن رؤى سياقية أعمق حول الفوائد المُدرَكة والمخاوف وجاهزية المؤسسات، بما مكّن الدراسة من تجاوز الاتجاهات السطحية. وخلصت الدراسة إلى أن الكفايات الفردية والملاءمة التقنية السياقية تؤديان دوراً مهماً في تشكيل المواقف التي تقود بدورها مدى الاستخدام. وأوصت بتعزيز قدرات الجامعات عبر التدريب، ودمج الذكاء التوليدي في البيداغوجيا، وتطوير إرشادات أخلاقية ودعم للطلاب والمعلمين، داعية الأبحاث المستقبلية إلى دراسة الآثار الطولية للتقنية في نواتج التعليم وجاهزية المؤسسات في سياقات متنوعة.
الدراسة (PDF)
المصدر: Computers and Education Open، المجلد 10 (2026)، رقم المقال 100378، الناشر Elsevier، DOI: 10.1016/j.caeo.2026.100378.